الحقيقة
كان الصباح دافئاً ، يستيقظ الناس من سباتهم ،، يجرون أنفسهم بتثاقل إلى عملهم ،،
كانت تجمع كتبها وأقلامها في حقيبتها ،، تارة تسرح شعرها ،، وتارة أخرى تنتعل حذاءها ..... دخلت الفصل فواجهتها معلمة الرياضيات تقف بنظارتها الكبيرة ،،

وأخذت تخطو خطواتها وزميلاتها يتهامسن ويتضاحكن ،، دائماً تسأل لماذا تثير هذه المعلمة كل هذه الضجة ،، رغم انها عادية ،، كان الدرس مكمل ليوم أمس ،، إنها تؤدي دور المستمعة بإتقان ،، كانت تارة تكتب ،، وتارة أخرى تسمع الشرح ،، دقت الباب طالبة صغيرة تسأل عنها ماذا هناك ؟؟ ماذا تريد منها ؟؟

حملت بعضها بتثاقل تسأل في حيرة .. مستأذنة من معلمة الرياضيات ،، كان الممر المؤدي إلى مكتب الوكيلة طويلاً جداً ... طرقت الباب قبل ان تدخل هي هناك جالسة وراء طاولتها منهمكة في عملها .. رفعت نظرها نحو الطالبة .

 أنت عائشة علي ( قالت لها )

 نعم أستاذة .

وقفت واستدارت حول مكتبها تسير ببطء حوله ،، ثم عادت واستقرت في مكانها .

 اجلسي 

 شكراً

رفعت ورقة بيضاء وقالت لها وقعي هنا ،، كان هناك سطر طويل يطلب منها التوقيع عليه

 ( سألتها ) أين يعمل والدك يا عائشة ؟

 ( قالت ) والدي متوفي منذ سنتين

 من هو إذا ولي أمرك ؟

 والدتي

 هل تعمل والدتك ؟

 نعم أستاذة

 ما هو نوع عملها ؟

 لا أدري

 كيف لا تدرين .. ألم تخبرك ؟ ( سألتها بحدة )

 لا هي تخرج في السادسة ولا تعود سوى في الثانية ظهرا

وكل ما اعرف إنها تعمل في روضة قريبة من منزلنا

 خذي هذه الورقة لتوقعها والدتك




 حسناً 

 أريدها غداً قبل الطابور المدرسي ..... الآن اذهبي إلى الصف 

وقفت وفي يدها الورقة التي أعطتها الوكيلة عائدة الى أدراجها ،، خرجت من الفصل بعد انتهاء فترتها الدراسية عائدة الى البيت كانت الساعة الواحدة ،، خطر على بالها فجأة عندما كانت تمر بالقرب من الروضة التي تعمل فيها والدتها ،، لماذا لا تذهب إليها ففيها تعرف نوع عمل والدتها ومنها ترجع مع والدتها الى المنزل . كانت تطرق باب الروضة .. إنها طرقتان فقط وانفتح الباب كان الحارس ببدلته الزرقاء يقف أمامها

 ( قالت ) السلام عليك

 ( قال لها الحارس ) وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

 أريد أم احمد من فضلك

 الفراشة !!

 لا قلت أم احمد

قالت بحدة ( هل يمكن ان تفزعها كلمة فراشة الى هذا الحد )

كان الحارس ينظر نحوها في ريبة ثم قال :

 ادخلي هذا الممر ... ستجدين هناك المشرفة واسأليها

 شكراً

كان الممر ضيقاً نسبياً وقد لمحت امرأتين تقفان ... اقتربت منهما 

 السلام عليكم

 عليكم السلام

 أين أجد أم احمد

 من تكونين ( قالت إحداهن )

 ابنتها 

اخرجي من هذا الممر ستجدينها أمامك ( قالت لها الأخرى )

 شكراً

كانت تشعر بالفخر متوقعة أن تعمل والدتها عملاً جيداً مميزاً إنها تقترب جداً منها 




استدارت يساراً لم يكن هناك اثر لوالدتها ،، بينما كانت تستدير يمينا لمحت بطرف عينيها احدا جالسا ،، كانت هناك مخلفات القمامة ،، بقايا طعام ،، مزيلة حشرات بين هذه الصناديق ،، كانت هناك أمها تبحث بين الصناديق ،، بقايا الماء ينساب تحت قدميها 

لقد عجزت عن النطق ،، أمها فراشة ،، هذه المرأة التي تحتل وجودا داخل المنزل هنا هو الواقع ،، كانت تعمل بجهد هذا يفسر حدتها عندما كانت تسأل أمها عن نوع عملها 

لماذا أمها اخفت وهي المرأة التي درست وتخرجت من احسن الجامعات 

انهمرت عيناها دمعاً .. ماذا ستقول لامها ؟؟؟

الجميل في ذلك ان أمها لم ترها 

أخذت تركض ناحية الباب خارجة منه 

سمعت الحارس يقول لها ما بالك 

كانت لا تعرف في ذلك الوقت هل تبكي أم تحترم أمها اكثر من ذي قبل بعدما رأت بأم عينيها 

أخذت تبطئ في سيرها 

ماذا تفعل كي تعبر عن آلامها ؟ !!

هل تعيش مثل ما كانت وتنسى ما حدث ؟ !!

أم تصارح والدتها 

ربما كانت تملك إجابة على ذلك !!!



بقلم : خمائل