الامام

دخل أبا ناصر المسجد ووقف ينظر بعينيه الغائصتين خلف التجاعيد يمنا وشمال وقد بدأت كل الخطوط التي حفرها طول الزمن عليه تميل إلى الغضب كانت أنفاسه تخرج منه كهبوب ريح السموم يجر عكازه خلفه يحمل في يده نعليه القديمتين ؛ وما أن لمح الإمام صابر يجلس في أحد أركان المسجد يتلو قرآن ربه في سكون وخشوع حتى أتجه إليه مسرعا ووقف أمامه وقاطعه بنبرته الحادة وصوته المرتفع مهددا : أسمع أيها الإمام من الجدير بك وأنت إمام هذا المسجد أن تعمل على راحة المصلين وإلا فإنني لن آتي إلى هذا المسجد مرة أخرى ؛ نظر الإمام صابر إليه بابتسامته الهادئة ووجه السموح الذي يشع نورا وبصوت هادئ قال له : أجلس يا أبا ناصر وأملي علي شروطك ؛ فإننا لا يمكننا الاستغناء عن رجلا مثلك عمره ما قاطع الصلاة إن وجودك بيننا يهمنا كثيرا ؛ جلس أبا ناصر وقد أحمر وجهه خجلا من الإمام واضعا نعليه في حضنه وعكازه أمامه وقال معتذرا : أنا أسف يا إمام ؛ ولكن الأولاد الأشقياء لقد سرقوا نعالي من جديد وكما تعلم هذه ليست أول مرة يسرقونه ؛ فقال الإمام : وما عساي أن أفعل لست أنت الوحيد الذي يتعرض للسرقة كلنا مثلك ؛ أنا مثلا سرقوا نعالي العام الماضي ؛ وأبا خالد .. قاطعه أبا ناصر : نعم ولكني فقير ليس لدي أحد يعولني لكي يشتري لي نعال .. وبنبرة حزينة .. وكما تعلم هجرني كل أبنائي لا يعودني منهم إلا أبني راشد وراشد فقير وأجهش في البكاء ؛ رد عليه الإمام مواسيا له : لا بأس عليك يا أبا ناصر أنا أبنك وسأشتري لك نعال غيره ؛ قطع أبا ناصر بكائه ورد قائلا أنا لا أريد نعال ؛ لقد وجدت نعالي وهاهو يقبع في حضني إنه أأمن مكان عليه ؛ فرد عليه الإمام : نعم ولكنك لا يمكنك الصلاة والنعال معك وكان عليك احترام المسجد يا أبا ناصر ؛ فرد عليه : ولهذا أنا أتيت إليك ؛ فقال الإمام : وهل لديك الحل ؛ أبا ناصر : طبعا .. وإلا لما أتيت إليك ؛ سأل الإمام : وما هو ؛ رد أبا ناصر : صندوق تأمينات أؤمنكم حذائي فيه ؛ ارتسمت على وجه الإمام ابتسامه سرعان ما تحولت إلى ضحكة هادئة رسمت الحياء على وجه أبا ناصر الذي أشتعل غيضا ؛ وما قاطع جلستهم إلا صوتا يأتي من خارج المسجد ينادي الإمام صابر فأسرع الجميع إلى الخارج ؛ كان المنادي صديق أبن الإمام الذي كان مرعوبا يبكي وهو خائف ؛ وما أن رأى الإمام حتى صرخ الفتى : مات لقد مات محمود يا إمام قتلوه قتلوا أبنك ؛ ورغم إن الكلمات نزلت كصاعقة برق قطعت فؤاد الإمام آلاف المرات إلا إنه تمالك نفسه وجمع كل قواه وما خرجت منه إلا كلمات قليلة دلت على صدق إيمانه بربه فتمتم قائلا : انا لله وانا إليه راجعون ، حسبي الله ونعم الوكيل ؛ وعاد الإمام إلى داخل المسجد .. أشعل دخوله وعدم مبالاته بموت أبنه العجب والاستغراب في نفوس الناس الذين دخلوا ورائه فرأوه متوجها نحو القبلة يصلي ؛ وما أن انتهى من صلاته حتى قومت الصلاة فطلب الناس من الإمام أن يأم بهم شخصا غيره رأفة به وبحاله ولكنه أبى إلا أن يصلي بهم ؛ وبعد انتهاء صلاة العشاء جلس الإمام في المسجد يقرأ القرآن وهو يبكي وأزداد بكائه ولكنه لم يتحرك من مكانه وخرج كل المصلين بعد أن يأسوا من عناد الإمام وعدم رغبته في العودة إلى المنزل كان يريد أن يبقى وحده يراجع نفسه ويتذكر الماضي يبحث عن الأسباب ولكن دون جدوى .. أخذ يحاسب نفسه فيما قصر مع أبنه ؟!.. ؛ لقد نمى وترعرع محمود في بيت تقوى كل من هم فيه يخاف من الله ويؤمن به إيمانا صادقا ؛ لقد علمه القرآن وحفظه إياه منذ سن الرابعة كان دائما يأخذه معه إلى المسجد كان يهتم به وبدروسه ؛ لم يفارقه حتى أصبح في المرحلة الثانوية بدأ محمود يتهرب منه ومن واجباته كان كثيرا ما يتغيب عن الصلاة في المسجد ؛ وتحول شيئا فشيئا إلى ولد عاق لربه ووالديه جاحدا للنعمة ؛ حاول الإمام صابر جاهدا أن يعيد أبنه إلى الطريق القويم ولكنه ما أن حاول أن يمنعه حتى تحول أبنه إلى ثور هائج يصرخ ويكسر ويضرب أباه وأمه كان يتغيب أياما عن البيت ويعود سكرانا تفوح رائحة الرذيلة منه وكان الإمام لا يستطيع ولا يقدر على عمل شئ سوى بلع غصته والسكوت وإلا لو تكلم لأنهال يضرب أبيه ؛ وأخذ يتلو في نفسه كلمات ربه علها تواسيه : (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء) .
مر على خيال الإمام طيف أبنه وهو سجين بسبب تماديه في الرذيلة وتذكر تلك الأيام التي كان يلاحق فيها أبنه من مركز شرطة لأخر ووقوفه في المحاكم .. وتذكر كلام الناس : (أبن الإمام سجين ؛ أبوه إمام وهو لص حقير مجرم كبير ؛ أبوه إمام وهو مدمن مخدرات ؛ أبوه إمام وهو .. ) ؛ ( كانت كلمة أبوه إمام ) تؤثر به كثيرا فرغم إنه إمام إلا إنه لا يقدر على فعل شئ ولو كان يبده لما توانى عن فعل ذلك لا أحد يختار نار جهنم مستقبلا لأبنه كان يعضه وينصحه وكثيرا ما حاول منعه إلا إن محمود وقف كصخرة جامدة قاسية لا تعرف إلا الألفاظ البذيئة والضرب ؛ وحاول جاهدا أن يعرف السبب الذي جعل من أبنه يختار هذا الدرب فلم يعرف ولكنه كان على يقين إنه ابتلاء من الله وامتحان يختبر فيه صدق عزيمة إيمانه ؛ وقام يمسح دموعه ويصلي عل صلاته تهدئ من روعه .
وبعد أن صلى الإمام صابر بالناس صلاة الفجر عاد إلى البيت ولم يتقبل العزاء من أحد في أبنه الذي علم إن موته كان بجرعة مخدرات كبيرة أعطوها إليه أصحاب الرذيلة لكي يتخلصوا منه بعد أن أصبح عالة عليهم ؛ وفي طريق العودة رأى الإمام أبا ناصر يجلس على قارعة الطريق يبكي فأستوقفه المنظر وسار إليه يسأله عن بكائه فأخبره إن حفيده أبن راشد أبنه مات وقد كان فتاً تقيا مؤمنا يحفظ القرآن كله ؛ وقد كان الحفيد الوحيد الذي يزوره بل وكل يوم ؛ جلس الإمام صابر بقرب أبا ناصر مبتسما وقال أتبكي وأبن أبنك في الجنة بإذن الله فما عساي أفعل وأبني مات على ما هو عليه قم فليس بميت من ضمن الجنة إن هذه الحياة فانية والمستقبل هو الآخرة إما جنة أو نار فما يفعل أبن أبنك بالدنيا وما يريد منها إن كان حاله كما وصفت كان علينا أن نسعى لرضاء ربنا ونطمع بجنته هذا هو المستقبل وهذه هي الحياة الأبدية والتي يجب أن نسعى لها قم وأسعى أنت أيضا لها قم ودع البكاء لمن يأس من مستقبل أبنه قم ولا تقل إلا حسبي الله ونعم الوكيل وإنا لله وإنا إليه راجعون .. نظر أبا ناصر إلى الأمام ورباطة جأشه وصبره على ما أبتلى به وقام يتلوا (ولنبلوكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ؛ الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ؛ أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) . 



بقلم بنت المالود