توطين الخيال

( لن أغفر لها ... لحظات الطلاق ...! )
سألني ( ماهر ) .. عن سر الحكاية ..؟ وألح نفاذ فضوله .. إلى نيل حروف اسمها ، الجاثم فوق شقوق شفتي المهترئة ...! ..( يا لشقائي .. هل يجب أن أُصادق فضولي ..! )
وبينما تحجر في عيناي وجهه .. تَوهّم بأني غرستُ في خصب أرضي إلحاحه .. وأنه سيحصد سنابل فضوله ....!
تنبهت فجأة .. لزهرة مشوبة بالاحمرار في يده .. لاح بها أمام حدقتاي المتسعتان . . وقال : هي لك يا ( مجنون ..!) .... بكيت بداخلي طويلاً لحظتها ، قبل أن تتمدد شفتي لمجاملته بابتسامة صفراء .. وليتني ، لم أفعل ..!
( هل كان لي : أن أٌمرّغ شفتاي في أوحال ابتسامة مصطنعة ..؟ )
صاح ( ماهر ) في ردهات المقهى ، بصوتٍ لا أذكر لزمجرته إسطبلاً في حلقه من قبل : قهوجي .. هات ( فاين ) بسرعة ...!!
وفي غمرة سفري بين هلع صوته ، ومحاولاتي اليائسة لاستبدال رأسي بموضع صدري هرباً بخجلٍ أرتكبه صوت ( ماهر ) ، واستفزته أعين لمرتادي المقهى .. وبين علامات استفهام تناسخت أشكالها في عقلي ، لمحاولة تفسير طلبه بمثل تلك الجلجلة .. شعرت بشبه وخزٍ قسّط أفعاله بتشققات شفتي ..! 
( منذ متى نلهث بالتقسيط .. ونحب بالتقسيط .. وننجب من نساؤنا ، ولا ينهي رزق أبناءنا الرباني .. عذابات تقسيط أمهاتهم ..؟؟؟)
ثم ، شيئاً ما .. لا أذكر أنني شعرت به من قبل .. ولا يشبه تحركاته ، إلاّ ذات عرقٍ .. بدأ في أعلى قمة لجبيني .. وهربت منه قطرة واحدة تمايلت في تعرجات جبهتي ، فاضطرتني لهرش دغدغتها .. هكذا فعلت مع شفتي .... ولكنني فوجئت ، بلزوجة سائلٍ في شَفَةٍ جدباء ....
( أينجب قاعاً عاقراً .. جنيناً يفقأ مشيمة ...؟ )
تسرب من يمينك حنان تطاول عنقه يا ( ماهر ) .. قلت في نفسي .. عندما رأيته يحنو لي وهو يمسح بلطفه شفتي الدامية ... حينها قررت أن أجيب فضوله ..!
( يبدو أن لشياطين الرجال .. أطفالاً تحسن مداعبتها ..!) 
ولكن .. حقاً ، من يقوى على لطم شياطين الرجال ..؟ ، من يحسن الجرأة لصفق الباب في وجه تلك الشياطين ..؟ ، ومن يعي بأن هناك باب ضيق سري .. لكل الرجال .. لا ينفذ من خلاله إلاّ أجساد الأطفال .....؟؟!
عاد ( ماهرٌ ) لهز غصون استفساراته .. بعد أن هدأت واتكأت على مركى كان بقربي ...!
أجبت ... وأذكر بأني حاولت بفعالية إبداعٍ كتلك المتأصلة في المعيش اليومي لجماعة بني عذرة ..؟؟! ، كما وأذكر جيداً محاولاتي المنطلقة لربط إجاباتي بالنسق الأدبي المولع به منذ صغري ... : 
لم أتزوج يا ( ماهر ) كي أطلّق ، ولكنها .. تلك الملعونة ( الفكرة ) .. فلن أغفر لها ، لحظات طلاقها ..... وقبل أن أذوب في غياهب التحليل التأملي في أبعاد قضايا الفكرة .. وكيف لها أن تحفر أخدوداً إبداعياً في أرض مفرداتٍ جلبت من لب اللغة ... وقبل أن أمارس الغوص في أعماق مفهومٍها الإبداعي لتشكيل الرؤى ... وقبل أن أحلق بها نحو خيالٍ يؤرقني فيه تلك المزاوجة بين ( الرؤية ) و ( الرؤيا ) ... قاطعني ..!
( لكم يلذ لأستاذٍ .. تعاطي الشرح والاسترسال ، في حضرة تلاميذه المنصتة ... ولكم يعذبه استفزاز لمقاطعة تلميذٍ يصطنع الغباء ، أو هو كذلك ! ) 
عندها .. لعبت دوراً بطولي التمثيل .. قهري الأعصاب .. جبري التنفيذً .. عندما جسدت إسطبلا كان قد توطن في حلق ( ماهر ) .. وصرخت كما لم أصرخ من قبل في وجه صديق قهوجي .. هات حجر باعشن صافي .......!
مستحيل أن نوطن الخيال في جلسة مقهى .. مستحيلة تلك الغيبوبة الحالمة ، لتجسيد الخيال في حضرة عابث .. مستحيل أن تُلغى تذاكر الانتعاش في ضوضاء هرطقاتٍ ( لشيش ) عدنية الصنع .. مستحيل أن يفلت الخيال مواطنه ، ليندلق على بساط مقهى وعدتُ ثانية إلى معاودة الزمجرة : قهوجي .. ايش قلتلك ، نزًل واحد صافي هنا ..!

بقلم: ايمن عرفه