النصيحة المنجية 


روى أبو سعيد العابد قصة امرأة أحبت شابا عابدا
فقال : كان عندنا بالكوفة شاب ملازما للمسجد ،لا يكاد يخلو منه ، وكان حسن الوجه ، حسن القامة ، حسن السمت ، فنظرت إليه امرأة ذات جمال، وعقل، فشغفت به ، وطال ذلك عليها ....وذات يوم وقفت له في طريقه ، وهو يريد المسجد..

فقالت له : يا فتى اسمع مني كلمات أكلمك بها ، ثم اعمل ما شئت .

فمضى ولم يكلمها...... ثم وقفت بعد ذلك في طريقه ، وهو يريد منزله.. 

فقالت له : يا فتى اسمع مني كلمات أكلمك بها فطرق ، 

فقال لها : هذا موقف تهمه ، وأنا أكره أن أكون للتهمة موضعا !! 

فقالت له : والله ما وقفت موقفي هذا جهالة مني بأمرك ، ولكن معاذ الله أن يتشوف العباد إلى مثل هذا مني ، والذي حملني على أن ألقيك في هذا الأمر بنفسي معرفتي أن القليل من هذا عند الناس كثير ، وأنتم يا معاشر العبَاد في مثل القوارير أدنى شيء يعيبه ....
وجملة ما أكلمك به أن جوارحي كلها مشغوفة بك ، فالله الله في أمري وأمرك . ثم مضى الشاب إلى منزله.. وأراد أن يصلي فلم يعقل كيف يصلي ، فأخذ قرطاسا وكتب كتابا..... ثم خرج من منزله. فإذا بالمرأة واقفه.. فألقى إليها الكتاب.. ورجع إلى منزله . وكان في الكتاب"...بسم الله الرحمن الرحيم ... اعلمي أيتها المرأة أن الله ، تبارك وتعالى إذا عُصي حلم ، فإذا عاود العبد المعصية ستر، فإذا لبس لها ملابسها غضب الله عز وجل لنفسه غضبة تضيق منها السموات والأرضون والجبال والشجر والدواب ، فمن ذا الذي يطيق غضبه؟؟؟ فإن كان ما ذكرت باطلا، فإني أذكرك يوما تكون السماء كالمهل ،
وتصير الجبال كالعهن ، وتجثو الأمم لصولة الجبار العظيم ، وأني والله قد ضعفت عن إصلاح نفسي ، فكيف بصلاح غيري ، وإن كان ما ذكرت حقا فأني أدلك على طبيب ، هو ولي الكلوم ، الممرضة ، والأوجاع الممرضة ، ذلك الله رب العالمين ، فاقصديه على صدق المسألة ، فإني متشاغل عنك بقوله عز وجل:"وأنذرهم يوم الآزفة إذا القلوب لدى الحناجر كاظمين،ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور والله يقضي بالحق"فأين المهرب من هذه الآية ؟؟؟؟؟؟؟ 

ثم جاءت بعد أيام.. فوقفت له .. فلما رآها .. أراد الرجوع إلى منزله لئلا يراها .. فقالت:يا فتى لا ترجع ، فلا كان الملتقى بعد هذا أبدا إلا بين يدي الله،عز وجل. وبكت بكاء كثيرا ، ثم قالت : أسأل الله عز وجل الذي بيده مفاتيح قلبك أن يسهل ما قد عسر من أمرك...ثم تبعته فقالت : امنن علي بموعظة أحملها عنك ، وأوصني بوصية أعمل عليها !!! فقال لها : "أوصيك بحفظ نفسك من نفسك، وأذكرك قوله عز وجل: "وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار"..... فأطرقت وبكت بكاء شديدا ....
ثم أفاقت.. فقالت : والله ما حملت أنثى ولا وضعت إنسا كمثلك في مصري وأحيائي وذكرت أبياتا آخرها :
لألبسن لهذا الأمر مدرعة ... ولا ركنت إلى لذات دنيايا ثم لزمت بيتها .. فأخذت بالعبادة . .فكانت إذا أجهدها الأمر تدعو بكتابه فتضعه على عينيها فيقال لها : وهل يغني هذا شيئا ؟؟ فتقول : وهل لي دواء غيره.. وإذا جن عليها الليل قامت إلى محرابها فإذا صلت قالت :
يا وارث الأرض هب لي منك مغفرة . . . . . . . . . وحل عني هوى ذا الهاجر الدَاني وانظر إلى خلَتييا مشتكى حزني . . . . . . . . . . بنظرة منك تجلو كل أحزاني 

فلم تزل على ذلك حتى ماتت ..................... 

وكان الفتى يذكرها بعد موتها ثم يبكي عليها فيقال له : مم بكاؤك ؟؟ وأنت قد ايستها فيقول : "إني ذقت طعمها مني أول أمرها وجعلت قطعها ذخيرة لي عند الله عز وجل ، وإني لأستحي من الله عز وجل أن استرد ذخيرة ذخرتها عنده".



بقلم : بصمه