حكاية خلف اسوار المقبرة

المدينة غارقة في النوم .. الليل يحتضن كل شيء ..والطرقات تحتضن أحلاماً قتيلة إغتالها المستحيل .. والقمر شاحب حزين .. تآمرت عليه السحب فغدى كئيباً .. والريح تحكي للشجر حكاية عتيقة من مجاهل العصور و التاريخ .. وعلى أغصان الشجر شحرور ساكت حزين .. أسكته الليل ووحشة الظلام ..وعلى الأرصفة آثار لخطوات بشرية .. خطوات ظالمة و أخرى مظلومة .. وخطوات أخرى أتعبها التعب .. 
الليل أنشودة المصابيح .. وجنيات الليل يتراكضن في أعماق الظلام و الضباب .. ينتحرن بين ثنايا الغيب و المجهول .. و لا صوت في سكون الليل سوى أنين الريح و حفيف الشجر و عواء كلاب دفع بها الجوع الى التسكع في دهاليز الليل .. 
خطوات متعبة على الطريق .. انه عائد للمدينة .. الطريق يبتسم له .و الرياح تداعب معطفه .. و الليل يبتلعه .. إلى أين تتجه أيها الغريب ؟ وأي أمر قذف بك في عتمات الظلام و وحشة الدروب ؟ لقد قتلت يا غريب هذا السكون و كأنك خنجر في خاصرة الصمت ..
( أتركني يا لائمي و حزني .. أتركني و عذابي ودع السكينة تمشي معي الى حيث أبغي .. دع الخشوع يرافقني الى حيث تلك المقبرة التي ارتمت على كتف المدينة و ضباب الغيب يلفها و أشباح الليل تحرسها .. أتركوا خطواتي تحكي للطريق حكاية قتيل تمشي به عتمة الليل بينما ترقد في ثنايا القبور صبية لايزال رحيق الحياة يحوم حول مرقدها .. أنا الميت وهذه الدنيا كفني و قبري .. وهي الحياة حيث الأبدية و خلودها .. فدعوني أذهب حيث ترقد لعل الموت يعيد ما أخذته الحياة ..)
ومشى الغريب يخترق الطرقات بصمت مخيف و خطوات متثاقلة كأنه شيخ تاه عنه الموت فخرج يبحث عنه .. ويقترب الغريب من المقبرة حيث اللا نهاية تسكن هذا المكان .. وحيث الأحلام الذبيحة و الابتسامة القتيلة و الوردة المسحوقة .. كل أحلام البشرية ترقد بين ثراك ايتها الأرض ..
وتزحف أخيلة الليل ورؤى الظلام و أوهام الطريق نحو الغريب و تسأله : ما بك يا إنسان ؟ فيقول وهو لا يزال يقترب من المقبرة : 
( إن الذي بي كالذي في أعماق الأرض .. تحت هذا الثرى يرقد التاريخ و أبطاله .. والذي في أعماقي تاريخ و ذكرى و سرادق عزاء و جنازة و مشيعون .. في أعماقي حكاية أحببتها .. أنشدت لها أحلى أناشيد البشرية .. بنينا الأحلام معاً ..ولكن بني البشر اغتالوا أحلامنا .. فتعبت الصبية فأكلها المرض ثم ابتلعها القبر .. )
ودخل الغريب المقبرة .. فرأى حفار القبور يستعد للنوم فقال الغريب : أيها الحفار .. لا فرق بين رقدتك هذه و رقدة هؤلاء تحت الثرى سوى أنك تتنفس الحياة وهم يتنسمون الموت ..و أنت تمل الحياة وهم لا يملون الموت .. أنت تدفن البشرية بساعديك لذلك تلامس الحقيقة الضائعة في حياتنا و تراها ونحن جثثاً بين ذراعيك و ذراعي القبر .. قل لي أيها الحفار : أين قبر الصبية التي أسكنتها اللحد ؟ تلك الفتاة التي تآمر عليها أبوها و أمها و عشيرتها فحملوها الى عريس لا تريده و بذلك زفوها الى جاهلية البشرية و كهوفها .. قل لي أيها الرجل .. أين مرقد تلك الفتاة التي أسقطها المرض و التهمها في غمضة عين ؟ ما أقوى ساعديك أيها الرجل .. لقد طمرت ملاكاً دون أن تدري ..)
وذهل الحفار وهو يسمع هذه الكلمات ولم يملك سوى أن يشير إلى حيث ترقد الصبية .. فمشى الغريب كموكب جنائزي يعبر القبر تلو القبر وهو يقول : 
( أيها الراقدون .. سامحوا خطاي التي أزعجتكم في مراقدكم .. سامحوا قيساً الذي ذبحه الهوى من الوريد الى الوريد .. فجاء هذه الليلة يبحث عن ليلاه التي سكنت هذه الديار .. أسكنتها الفواجع أرضكم ..فخلف كل باب قبر حكاية دامعة مفجعة .. وخلف كل فجيعة غابة من الألم .. )
ويقترب الفتى من قبرها وأقدامه تكاد لا تحمله .. الليل يبكي .. والريح تبكي .. وأحجار القبر تبكي .. و اقترب المسكين من اللحد وأخذ يقول : 
( تركتك يا صبية لحماً و دماً وأعود اليوم لأجدك تراباً و سرابًا .. أين رحل ذاك الصبا ؟ أين غاب ذاك الجمال؟ وأين تلك الابتسامة التي ملكت بها الكون ؟ وأين تلك العيون التي كانت مخدعاً للشمس ؟ أحقاً كل هذا الجمال يتزاحم عليه الدود الآن في ظلمة هذا القبر ؟ أحقاً عيناك الجميلتان أصبحتا مغارتين يختال فيهما الظلمة و الفراغ ؟ ووجهك الجميل غدا جمجمة مرعبة لا تحوي سوى الخوف ؟ أحقاً أيتها الصبية أصبحت كومة عظام يتقاسمها الدود و الظلام خلف أبواب هذا القبر ؟ ما أقواك أيها المرض .. ما أظلمكم أيها البشر .. وما أقوى ساعديك أيها الحفار .. لقد طمرت قلبي معها .. ) 
و سقط الغريب فوق القبر .. ولم تشرق عليه الشمس إلا وهو جثة هامدة لا حياة فيها ..



بقلم: ماجد