http://www.twitethkar.com/ مجالس الساهر - عرض مشاركة واحدة - اختي الكبرى

الموضوع: اختي الكبرى
عرض مشاركة واحدة
  #1 (permalink)  
قديم 24-07-2003, 00:00
الصورة الرمزية أمان 36
أمان 36 أمان 36 غير متواجد حالياً
مبدع الساهر
 
تاريخ التسجيل: 11-05-2003
الدولة: greenlove32@hotmail.com
المشاركات: 1,496
معدل تقييم المستوى: 1596
أمان 36 is on a distinguished roadأمان 36 is on a distinguished roadأمان 36 is on a distinguished roadأمان 36 is on a distinguished roadأمان 36 is on a distinguished roadأمان 36 is on a distinguished road
اختي الكبرى

أختي الكبرى
على بساط ذكرياتي وددت أن انقش ما يجول في خاطري عن ماض تلاشى ولم يبقى منه سوى الذكريات, مضى ولسوف لا ولن يعود, وعن عهد ما زال يظلل جزء مهما من حياتي, لان قطار الحياة لا يرجع الى محطته ثانية, نعم لا يرجع الا بذكريات أحلامه ، حلوها ومرها.
ما زلت اتذكر تلك الايام التي كنا نلعب فيها ونحن اطفال في بستاننا الجميل , بل ما زالت اغاريد الطيور ممزوجة بخربر المياه ترن في مسمعي, بل وما زلت اشم أريج الازهار بألوانها الجميلة وكانها تعيش معي يا اختي العزيزة.
كنت اصغر منك بستة سنوات الا اني كنت اراك عملاقة في الايمان والعلم والمعرفة. كنت انتظر رجوعك بفارغ الصبر من المدرسة لتعلميني الاناشيد الوطنية، لكي انشدها امام والدي فخورا لكي يثني علي بالمديح، لان كلماته كانت كوسام اتحلى به في كل مكان.
كنت انافسك في كل شئ لاني الولد الكبير المدلل، الا أني كنت اجد تفسي عاجزا امام ايمانك وعلمك، لانك كنت المعلمة الحقيقية لي، اسير بهدى رشدك، انت التي كنت تعتزين بكتاب الله الكريم، اذ كنت اجلس بجانبك خاشعا لاسمع تجويدك يا اختي الوفية.
كنت تعلميني حفظ الفرآن وكنت بكل شغف اتقبل دروسك وفعلا نجحت في مسعاك حيث حفظت اكثر من نصف جزء عمَ . وكم كنت اشعر باعتزاز امام والديَ عندما اقرأ لهما ما كنت قد تعلمته منك ، اذ كنت اريهم والفضل يعود لك باني لست اقل منك شأنا.
اتذكر يوما كنا نلعب كعادتنا في البستان انقياء ابرياء، كنا نلعب مع الاشجار مع الورود مع المطر مع الشمس مع كل شئ في الطبيعة ، كنت اخفي نفسي بين اوراق الاشجار وانت تفتشين عني وعندما تجديني يبدأ الصياح والعياط وكم من مرة كانت الوالدة تاتي مسرعة ظانة ان شيئا قد حدث لنا وكنا نقابلها بالضحك ،اذ يزداد سرورنا برؤيتها.
اتذكر يا اختي يوما ماطرا وكنا كعادتنا نلعب في البستان فضربتيني بقسوة لسبب لا اذكره ، وكنت انظر اليك باكيا وقد اندمجت دموعي بقطرات المطر وكانت تسيل على خدي ممزوجة بنوع من الحب والحنان ومن خلالها كنت انظر اليك بعاطفة الاخوة كعقاب على عملك وكنت تنظريني بالم محفوف بنوع من الندم ، فاذا بي اراك تاتين الي نادمة باكية وتقبليني معتذرة ، فأزداد بكاء لالمي عليك ، وكان بكاؤك يزداد عطفا عليَ ، فامتزجت دموعي بدموعك كما امتزج لهيب حناني بنقاوة عطفك وبعد قليل صرنا نضحك وكأن شيئا لم يكن .
ما زلت يا اختي اتذكر ذلك اليوم عندما تسللت طفلة فقيرة الى بستاننا خلسة وقد جمعت ما امكنها من التفاح والخوخ والتين والرمان ، فهجمت عليها كالوحش فهربت خائفة تاركة وراءها كل ما كانت قد جمعته و ما كانت تحلم به المسكينة.جئت الي غاضبة ونهرتيني على عملي المشين قائلة: اين ايمانك يا قاسي ، وما اكتفيت بهذا وانما ذهبت واخبرتي الوالد فوبخني على عملي ولا انسى قوله لنا:ان هذا الرزق من الله وعلينا ان لا نبخل ونحرم الاخرين من طيبات ما اعطانا الله ، وادركت يا اختي انك كنت على حق وان تصرفي حقا كان لا يخلو من قسوة وبخل وانانية ، وعلى اثرها ذهبت بصحبتك الى بيت الطفلة نحمل طبقا كبيرا من اجود الفواكه وقدمناه هدية لها مع اعتذارنا ، وكم فرحت زينب بقولك عندما قلت لها:من حقك يا اختي زينب ان تدخلي والوالدة اليستان ، فاهلا بكما في أي وقت لانه ملك الله لنا جميعا، ومنذ ذلك اليوم اصبحت زينب اختنا وامها بمرتبة امنا، وكنت دوما الوم نفسي خجلا على ما بدى مني من تصرف لا انساني وصار لي درسا لا انساه ، وكل هذا كان بفضل الولدين وفضلك يا اختي المؤمنة .
كم من مرات كنت اقلد والدي بعباءة المحاماة وكنت اتكلم بصوت عال وكنت تضحكين قائلة:تعلم حفظ القرآن قبل المحاماة، وتعاليم الدين قبل العلوم الدنيوية، لكي تصبح عضوا نافعا في بناء المجتمع، كنت اسمع منك تلك الكلمات وأتباهى بها الا اني ما كنت افهم معناها العميق، كنت تقرئين وتفهمين غير اني كنت اردد قولك كببغاء لذا كان البون شاسعا بيني وبينك يا اختي الوفية .
سنة الله اقتضت ان تنفصلي عنا وتذهبي الى عش الحياة الزوجية وتركت فراغا كبيرا في البيت، الا ان روحك بقيت معنا يا ام محمد.
دار الزمن دورته ، وبعد وفاة والدي رحمة الله عليه بسنتين وبامر من الوالدة ، غادرنا محلة العيواضية (( العيواضية محلة في بغداد ، ارستطقراطية كانت مشهورة بقصورها وشوارعها وجنيناتها الجميلة والحق يقال انا ما وجدت اجمل وانظف منها في اوربا ولي في كل زاوية فيها ذكرى)) مرتع طفولتي وذكرياتي واحلامي ، غادرنا بغداد الحبيبة، مودعين البيت الكبير وحديقته ، غادرنا الرخاء الى عالم الفاقه ، نعم غادرنا بغداد الى مسقط رأس والدتي، لنسكن بيتا بسيطا والذي يقع في افقر احياء المدينة والعائد لام والدتي،لنسكن هذا البيت مع جدتي، انا واخي الصغير والوالدة لنعيش فقراء في بيت اكلت منه السنون وكان يبدو لنا كئيبا.في هذا البيت تذكرت زينب الفقيرة وشعرت اكثر بوحشية قسوتي وما زال ضميري يؤنبني بل وما زلت اتذكر تصرفي الاانساني مع زينب.
غادرنا بغداد لاننا لانستطيع ان نعيش بنفس المستوى الذي كنا عليه لفترة طويلة ، ولكي لايعرف احد من اقربائي الساكنين في نفس الحي بحقيقة وضعنا الاقتصادي لاننا كنا نرفض مساعدة الاعمام والاخوال لنا عملا بوصية المرحوم والدي.كتمنا سرنا حتى عنك يا اختي العزيزة ورضينا بكفاف العيش اسوة بغيرنا من المعذبين في الارض .
كم كان يدفعني الشوق الى رؤية الوالدة العزيزة ورؤيتك انت يا اختي، الا اني علمت ان صاروخا قد سقط على البيت وانهى احلامي.
فقدت ولديك وفقدتك واندثرت سعادة الطفولة ، وتحولت اغاريد الطيور الى جنازير الدبابات والعربات المدرعة ، وخرير المياه الى عويل الامهات وصراخ الاطفال المرعوبة ، واريج الازهار الى رائحة جثث الشهداء من شيوخ ونساء واطفال.
كل شيء قد تغير، الا ان صورتك مازالت ماثلة امامي وحبك مازال يضلل حياتي رحمة الله عليك يا ام محمد وكمال وفخري.
جريح بغداد أمان 36


.






آه كم كانت سويعات حلوة تلك التي كنا نلعب فيها سوية في البستان
رد مع اقتباس
 

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51