http://www.twitethkar.com/ مجالس الساهر - عرض مشاركة واحدة - الجهاد وحقوق الإنسان: د. محمود السيد الدغيم - جرجناز - سوريا

عرض مشاركة واحدة
  #1 (permalink)  
قديم 18-02-2004, 05:04
الصورة الرمزية الدغيم
الدغيم الدغيم غير متواجد حالياً
أديب المجالس
 
تاريخ التسجيل: 05-02-2004
الدولة: لندن - بريطانيا
العمر: 67
المشاركات: 109
معدل تقييم المستوى: 1109
الدغيم مرحبا  بك في صفوف المتميزينالدغيم مرحبا  بك في صفوف المتميزينالدغيم مرحبا  بك في صفوف المتميزينالدغيم مرحبا  بك في صفوف المتميزينالدغيم مرحبا  بك في صفوف المتميزينالدغيم مرحبا  بك في صفوف المتميزينالدغيم مرحبا  بك في صفوف المتميزينالدغيم مرحبا  بك في صفوف المتميزينالدغيم مرحبا  بك في صفوف المتميزينالدغيم مرحبا  بك في صفوف المتميزينالدغيم مرحبا  بك في صفوف المتميزين
تحذير ..ادخل الجهاد وحقوق الإنسان: د. محمود السيد الدغيم - جرجناز - سوريا

[align=center]بسم الله الرحمن الرحيم
الجهاد الإسلامي ضمان لحقوق الإنسان من الإرهاب
مدخل البحث

بعدما كثر الكلام المسؤول، وغير المسؤول في موضوع الجهاد، وحمَّله الأعداء كثيراً من التجني، وقصَّر الأصدقاء في إيضاح ماهية الجهاد، فقد وجدت من الضرورة نشر هذا البحث الذي أعددته لندوة عُقدت في مدينة فينا عاصمة النمسا، وقد ورد في ذلك البحث ما يلي:

أفيدكم علماً في افتتاح بحثي هذا : إن تشويهَ الحقائق في عالمنا المعاصر أصبح إرهاباً مُزعجاً يستهدفُ الأديان والدولَ والمؤسسات والأفراد ، ويهدُرُ الحقوقَ ويهددَ بالدمار والشنار ؛ ويستوجِبُ جهاداً شرعياًّ يضمَنُ الْحُقوقَ ؛ ويُخلّصُ العالَمَ من الإرهاب الآيديولوجي الْمُقَنَّعِ بقناعِ حُقوقِ الإنسانِ ، وبما أننا في فيينا عاصمةِ النمسا فإنني أسوقُ مثالاً محلياًّ من حيث الجغرافيا وعالميّاً من حيثُ المفهوم الإنساني ، وهو قضيةُ تُهْمَةِ الإرهاب النازيّ التي وجّهها الإرهابيون الآيديولوجيون إلى أمين عام الأمم المتحدة السابق ( 1872 – 1981 ) البريْ كورت فالدهايم تلك التهمة التي أزعجت الشعبَ النمساوي مدة خمسَ عشرةَ سنةً ، وذلك منذُ وصول فالدهايم إلى سدة الرئاسة النمساوية سنة 1986 للميلاد حيث بدأت عاصفة التشويه والتشهير الصهيوني المدعوم من الصهيونية العالمية التي ألصقت بالرئيس تُهمَةَ ماضٍ نازيّ حينما كان ضابطاً في الخدمة الإلزامية الألمانية خلالَ الحرب العالمية الثانية ، وهذا هو الْهدف الظاهرُ أمَّا الهدفُ الباطنُ فهو الإنتقامُ من فالدهايم الذي لم ينفذ الرغبات العنصرية الصهيونية أثناء رئاسته لمنظمة الأمم المتحدة ، ومع الأسف الشديد سِيْقَتِ الولاياتُ المتحدة الأميركية وراءَ الدعاية الصهيونية فوضعتْ اسمَ الرئيس فالدهايم على قائمة الشخصيات الممنوعة من السفر إلى الولايات المتحدة الأميركية التي تدّعي الوصايةَ على حقوق الإنسان في العالم المعاصر.

وأخيراً نشرت المخابرات الأميركية ( CIA ) ملفَ فالدهايم الْمُتَضَمِّنَ براءَتَه من الإرهاب ، وبعد نشر الملف بخمسةِ أيام خسرت الولاياتُ المتحدة مَقعدَها ( الْمُقْعَدَ) في لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ، وانتصرت النمسا بالفوز بمقعدٍ في اللجنة يوم الخميس 9 صفر 1422 للهجرة الموافق 3 / أيّار - مايو / 2001 م ، هذا ما حَصَلَ بعدَ حملاتٍ إرهابيةٍ ظالِمَةٍ على فالدهايم تستوجب ردَّ الإعتبار ؛ وتعويضَ الأضرار ، وعقوبةَ مَن تسبب بتلك المأساة ليس للرئيس فالدهايم فقط وإنما للشعب النمساوي الذي ارتضاه رئيساً للبلاد ، وما ينطبقُ على قضية فالدهايم ينطبقُ على الكثير من القضايا التي تعرضت للتشويه من قِبَلِ قُوَىْ الإرهاب الآيديولوجيّّ اللاإنسانية التي آذتِ الأديانَ والدولَ والمؤسساتِ والأفرادَ ، وألصقتْ بمفهوم الجهادِ الإسلامي وَصْمَةَ الإرهابِ ، التي نُقدِّمُ ما يدَحْضُها في هذا البحث بالحقائقِ الدامغةِ راجين أنْ ينتصرَ الحقُّ ؛ ويُهزمَ الباطلُ ؛ ويخيبَ أعوانُ الشيطان.

إنَّ التشويهَ الذي تتعرضُ له الْقِيَمُ الإسلاميّةُ في العصر الراهن هو تَشويهٌ آيديولوجيّ مقصودٌ من قِبَلِ أعداءِ الإسلامِ الداخليين والخارجيين ؛ الذين يَستغِلُّوْنَ التكنولوجيا المعاصِرَةِ أسوأَ استغلالٍ بُغْيَةَ الإساءةِ إلى الإسلام والمسلمين، وهذا التشويهُ واضحٌ بشكلٍ جَلِيّ يدُلُّّ على التّآمُر الإرهابيِّ في مجالاتِ الإعلامِ والإعلان والفنون والآدابِ التي سخّرّها أعداْءُ الإسلامِ لتشويهِ الْقِيَمِ الإسلاميّةِ ، ويُسوِّقُ التشويهَ نفرٌ من الحاقدين وضِعافِ النفوسِ الذين يَسْتَغِلُّوْنَ جهلَ بعضِ الْمُموِّلين المسلمين ؛ مما أدى إلى مسخِ صُوَرِ الفضائلِ الإسلاميةِ المشرقة ، وتَقديْمِها بشكلٍ مُشَوَّهٍ يبعثُ على الرِّيبةِ والنُّفورِ بين الناس في مشارق الأرضِ ومغارِبِها ، إضافةً إلى سَرقةِ الْقِيَمِ الإسلاميةِ السامية ، وادعاءِ مِلْكِيَّتِها من قِبَلِ غيرِ المْسُلمين . وتأتي حقوقُ الإنسان التي أقرَّتْها الشريعةُ الإسلامية في طليعةِ القِيم الْمَسروقةِ هي وآلياتُها .

ولَمَّا كان الجهادُ الإسلاميّ من أنجعِ آليات حمايةِ حقوقِ الإنسان والحيوان والنبات والطبيعة ؛ بلْ والحياةِ الكونية بشكلٍ عامّ في الدُّنيا والآخرة ؛ فقد تَعَرَّضَ الجهادُ الإسلاميُّ للتشويهِ حتى صَبَغَهُ الْمُفْتَرُوْنَ بِصَبْغَةِ الإرهاب رغمَ أنَّ الجهادَ الإسلاميَّ هو الضمانُ الوحيدُ - لحفظِ الحقوق بشكلٍ عام وفي مقدِّمَتِها حقوق الإنسان في كلِّ زمانٍ ومكانٍ - لحفظها من الإرهاب والإرهابيين في زمنِ الإرهابِ الكهرومغناطيسي ؛ وإرهابِ السلاح الإليكتروني ؛ في زمن الإرهاب بهذين السلاحين اللذين تستخدمُهما الدُّولُ المتطوِّرَةُ في مجالات التكنولوجيا الإليكترونية، وهكذا وَضَعَ الحاقدون الثُّريا تحتَ الثَّرى ؛ وعكسوا الآيات طمعاً بتشويهِ صُورةِ الإسلامِ والمسلمين ، وليس هذا علينا بجديدٍ ، فالْمَعَارِكُ بينَ الخيِر والشَّرِ قديْمَةٌ كَقِدَمِ الْخَطيئةِ التي تستوجِبُ التَّوبَةَ .


خطة البحث

يَقومُ هذا البحثُ على العَلاقاتِ بين ثلاثةِ مَفاهيمَ مطروحةٍ على الساحاتِ العالميَّة لِلْحِوارِ ، وهي حُقُوْقُ الإنسان وعَلاقتُها بالْجِهاد من جهةٍ ؛ وبالإرهابِ من جهةٍ أُخرى ، وسُمُوُّ الجهادِ على الإرهابِ ، وهدفُنا في هذا البحث هو: تَصحيحُ الأخطاءِ الشَّائِعَةِ فيما يَخُصُّ الخلطَ بين الجهادِ والإرهابِ من قِبَلِ الذين لا يفقهون معنى الجهاد ، والبرهانُ على أنّ الجهادَ الإسلاميَّ الشرعيّ الصحيحَ هو الضمانُ الوحيدُ لِحِفْظِ حُقوقِ الإنسانِ في الماضي والحاضرِ والْمُسْتَقْبَلِ ، والوصولُ إلى هذه النتيجةِ لا يقومُ على الوهْمِ والإيهامِ والْخِداعِ والْمُراوغةِ ، وإنَّما يقومُ على الْحُجَّةِ البالغةِ والبُرهانِ والْجَدَلِ الْمَحْمودِ غَيْرِ الْمَذمومِ ، وهذا يتطلَّبُ عَرْضاً لِمُقَوِّمَاْتِ هذه الْمُصْطلحاتِ بَعِيْداً عن التَّشويهِ والْمُغالطةِ والْمُناقَضَةِ والسَّفسطةِ.

مِنَ الْمُسَلَّمَات التي لا اعتراضَ عليها نظرياً : ضرورةُ حِفْظِ حُقوقِ الإنسان ، ولكنَّ تفسيراتِ هذه الحقوقِ يَشُوْبُها التَّفاوُتُ والتَّعارُضُ والتَّناقُضُ بين الْمُنَظِّرِيَن الْمُعاصِرين ، وهذا التناقُضُ هو الذي اعتبرَ الحقَّ باطلاً والباطلَ حقاً نُزُوْلاً عند مُقتضياتِ الْفَهْمِ القاصِرِ والإدراكِ المحدودِ، ومُتطلباتِ السياسة العدوانيةِ الآيديولوجيّة ، والإستغلال الإقتصادي وجنون القوة وحب السيطرة والبطش الماديّ بكلِّ ما هو روحيٌّ ومثاليٌّ ، حتى أننا نَجِدُ بين المعاصرينَ مَن يعتبرُ تضييعَ حقوقِ المُستضعَفين باستعمارهم حقاً من حقوقِهم بدعوى إلحاقِهِمْ بِرَكْبِ العَوْلَمة والحداثةِ والتَّغريبِ والْحُريّةِ الجنسيّة وما تنطوي عليه من إباحيةٍ حيوانيةٍ ، وأمثالُ هذا الطَّرْحِ هو عَيْنُ الإرهابِ الذي يتطلَّبُ الْجِهادَ الإسلاميّ لِحِفْظِ حُقُوقِ الأفرادِ من عُدوانِ بعضِهِمْ على بعضٍ ؛ وحفظ حقوقِ الشُّعوبِ الْمُستضْعَفَةِ من الشعوب القويةِ؛ وحقوق الدُّولِ الفقيرةِ التي تحولتْ إلى حقولٍ لإجراءِ تجارُبِ الدولِ الغنيةِ الْمحظورةِ ؛ ومكباًّ لنفاياتِها النوويةِ الْمُشعَّةِ وما في ذلك من هدرٍ لحقوقِ الشعوبِ المغلوبة على أمرِها من قِبَلِ الدولِ الداعيةِ إلى العولَمةِ الأُحاديةِ الشمولية التي تستبيحُ إلغاءَ الآخر بكلِّ ما فيه من أديان ومُعتقداتٍ وعاداتٍ وتقاليدَ كي تسودَ ثقافةُ الوجباتِ السريعة ويربحَ المادّيون والشركات العالمية الجشعة .

أصولُ حقوق الإنسان

يُسْتَحْسَنُ ابتداءً أنْ نُبَيِّنَ مَصادرَ حقوقِ الإنسان ، وأنواعَ الحقوقِ ؛ ثُمَّ نُبَيِّنَ وسائلَ المحافَظَةِ على حقوقِ الإنسانِ بالجهادِ الشَّرعيِّ الإسلاميِّ لِحِفْظِ الحقوقِ بشكلٍ عام مِنَ الإرهابِ الآيديولوجي والإرهابيين الذين أُلْبِسُوْا لِبَاسَ الأُصُوْليةِ الإسلاميةِ زُوْراً وبُهتاناً جراءَ الإرهابِ الفكريّ الْمُعادي والدعاياتِ وما يبُثُّهُ الْمُغرضون عَبْرَ وسائلِ الإعلام من أكاذيبَ لتشويهِ الحقائقِ وتشويشِ الأفكار، ووصْم الشريعةِ الإسلامية الْغرّاء بوصمةِ إباحةِ الإرهابِ ؛ وقمع الناسِ؛ ومُعاداةِ الْحريّةِ ، وإحياءِ أنظمة القرونِ الوسطى ، معَ أنَّ عَصْرَ الظّلُماتِ صناعةٌ آيديولوجية غيرُ إسلاميةٍ ، فحينما كانَ المسلمون يطبقونَ الشريعةَ الإسلاميةَ ؛ ويحرِّرونَ بها العالمَ من الظُّلم كان غيرُهم وما يزالُ ينشرُ الرُّعبَ ويقترفُ الظُّلمَ والتمييزَ الْعُنصُريَّ ، وفي العصر الراهن يؤذي الناسَ ويُدمِّرُ البيئةَ بالأسلحة التقليديةِ والحديثةِ الْمُصمَّمةِ لِلعُدوانِ ؛ ويمنعُ انتشارَ العلومِ الدقيقةِ بما فيها الطبّ ؛ ويدّعي أنَّ العلوم حقٌّ من حقوقِ رعايا الدول الْمُتقدِّمةِ أيْ الْمُستعْمِرَةِ ، ولا تَجوزُ إتاحتُها لرعايا الدُّولِ الفقيرةِ الْمُتخلِّفةِ ، وهذا عدوانٌ غادرٌ على حقوقِ الإنسان يُمثِّلُ أسوأَ أنواعِ الإرهابِ العلميّ العالميّ الجديد .

نشوء الحقوق الإنسانية والحيوانية والنباتية والجمادية

إن الحقوقَ لا تأتي من الفراغ ، وإنما تولد جراءَ علاقات بين الأشياء ، واستقراءُ الكتابات والمناظرات الماضيةِ والمعاصِرَةِ يَدُلُّ على وُجودِ اتجاهين رئيسيينِ في تَحديدِ واعتمادِ الْحُقوق هُمَا :

آ - الإتجاهُ الدِّينيُّ الرّوحانِيُّ الْمَعنويّ : يرى أتْباعُ هذا الإتّجاه أنَّ خالقَ الخلقِ هو معيارُ الْحَقِّ والباطِلِ ، لأنَّهُ ذُوْ الكمالِ الْمُطْلَقِ ، وهو مَصْدَرُ حقوقِ الدُّنيا والآخرةِ ، والإنسانُ جُزْءٌ من الكونِ ، وليس للجُزْءِ أَنْ يُسَيْطِرَ على الكُلِّ، ولا أنْ يقمعَ جزءًا آخرَ ، وللحقوقِ حارسان شرعيان عندَ أتباعِ هذا الإتجاه :

1 - حارسُ الحقوقِ والضابطُ الأوَّلُ في هذا الإتجاهِ ذاتِيٌّ داخليٌّ هو :
" الإيمان : أن تؤمنَ باللهِ وملائكتهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليومِ الآخر وتؤمنَ بالقَدَرِ خيره وشره". للحديث الصحيح المشهور الذي رواهُ مُسلمٌ في صحيحه من حديث أمير المؤمنين عُمَرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه أن جبريل عليه السلام سأل النبي - صلى الله وعليه وسلم - عن الإيمان ، فقال له: الحديث ، وأخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة . وَالإِيمَانِ مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلاثَةِ أُمُورٍ ‏:‏ النُّطْقُ بِاللِّسَانِ ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ ، وَالْعَمَلُ بِالْجَوَارِحِ ‏، لَكِنَّ الأعْمَالَ شَرْطٌ لِكَمَالِهِ ‏.

2 - أما الْحارسُ الثاني فهو خارجِيٌّ : تُمَثِّلُهُ الدولةُ بأجهزَتِها ، والْمُجْتَمَعُ بِمُكَوِّناتهِ ، ويأتي دورُ هؤلاء في حمايةِ الحقوقِ إذا ضَعُفَ الْحارسُ الذاتي الشخصيّ الأوَّلُ، وانتصرتِ الغريزةُ البهيميَّةُ على الإرادة ، وقامَ الإنسانُ بتجاوُزٍ على الحقوقِ الخاصّةِ به ؛ أو العامّةِ له ولغيرهِ أو اعتدى على حقوقِ اللهِ تعالى ، وإحقاقُ الحقوقِ يتطلّبُ الجهادَ ابتداءً بِمُجاهدةِ النفسِ ذاتياًّ ، وانتهاءً بالجهاد في سبيلِ اللهِ ، وهذا ما سوفَ نوضحهُ لاحقاً بإذن الله .

ويرى أَتْبَاْعُ هذا الإتجاهِ أنَّ العلاقاتِ الروحيَّةِ الدِّينيَّةَ هي مُنْتِجُ الْحُقوقِ ، ودَليلَ وُجودِ الْحَقِّ هو الأثرُ المادِّيُّ والْمَعنويُّ ، وَيُقسّمُ هؤلاء الحقوقَ إلى قسمين مُتكاملين، اعتماداً على النَّقْلِ الصَّحيحِ الْمُتواتِرِ لأحكامِ الشَّريعةِ، وعلى العقلِ وما يُحَسِّنُهُ وما يُقَبِّحُهُ في الأمورِ التي ليسَ فيها نَصَّاًّ شرعياًّ قَطعيَّ الدِّلالةِ ، ويرى هؤلاء أنَّ الحقوقَ ثلاثةُ أنواعٍ مُتكامِلَةٍ في غايةِ الكمالِ للدُّنيا والآخرة :

1ً - حقوقٌ دِيْنِيَّةٌ رُوحيَّةٌ فِطريَّةٌ ذاتيَّةٌ أخلاقيَّةٌ وجْدانِيَّةٌ تَقومُ على العلاقةِ بين الْخَاْلِقِ والْمَخْلُوقاتِ، وهي نوعان هما :

اَ - حقُّ اللهِ تعالى على العبدِ بالطَّاعَةِ والْعِبادةِ .

بَ - وحقُّ العبدِ على الله تعالى بالهداية .

وأداءُ حقوقِ اللهِ تعالى شَرْطُ الإخلاصِ لرعايةِ حُقوقِ الإنسانِ ، وهذا ما لا يتحقَّقُ بدونِ الإيْمانِ الْمُطْلَقِ . وبمعنى آخر : إنَّ المؤمنينَ بالشريعة الإسلاميّة قولاً وعملاً هُمْ حَفَظةُ حقوقِ اللهِ وحقوقِ الإنسانِ وحقوقِ البيئةِ وما في الطبيعة من مخلوقاتٍ ، وإنّ المؤمنين البالغين درجة الإجتهاد هُم المؤهَّلُونَ للفصلِ بين الحقّ والباطلِ والحلالِ والحرام ، و هُم الجديرون بإيضاح حقوق الإنسان وحمايتها .

2ً - حقوقٌ طبيعية في جَلْبِ المصالِحِ ودَفْعِ الْمَفَاسِدِ ، للدُّوَلِ والأفرادِ بِمَا لا يتعارَضُ مع الأحكام الشرعيَّةِ .

3ً - حقوقٌ اعتباريةٌ تَعَاْقُدِيَّةٌ تُلزِمُ الأطرافَ الْمُتعاقدةَ بشرطِ عدَمِ مُخالَفَةِ الشَّريعةِ الرّّبّّانيّّة إذْ لا طاعة لِمخلوقٍ في مَعصيةِ الْخالقِ ، وكُلُّ عقدٍ خالَفَ الشريعةَ باطلٌ لأنّه يهدُرُ حقّاٌ من الحقوق .

ب - الإتجاه المادي العلماني : يرى أتْباعُ هذا الإتّجاه أن المجتمعَ هو مصدرُ الحقوقِ الدُّنيويةِ للبشر والطبيعةِ ، والإنسانَ هو الذي يَخْلِقُ حُقوقَهُ ، وهذا ما نصَّتْ عليه الدساتيرُ الوضعيّةُ ووصفتهُ بحكم الشعب بالشعب وللشعب ، وفي الدساتير الوضعيةِ تُعَبِّرُ الأكثريةُ عن كونِ الحقّ حقاًّ، في ظلِّ النظامِ الديموقراطي الذي يُتيحُ للأكثريةِ حقَّ تعريفِ الحقِّ والباطلِ ، والأكثريةُ تفرضُ الحلولَ الْمُناسِبَةَ لِلمشاكلِ الطارئةِ ، لأنَّ الأكثريةَ هي مِعيارُ وميزانُ الحقِّ والباطلِ في نظرِ أتباعِ هذا الإتجاه الآيديولوجي رغمَ وضوحِ فسادِهِ إذْ أنَّ تداولَ السُّلطةِ بينَ اليمين واليسارِ يؤدي إلى تحريمٍ وتحليلٍ مؤقّتٍ يخضعُ لمَن يتولى السلطةَ التشريعية في البرلمانات التي تُحقِّقُ مُتعَةً مُحرّمة للذين يسيطرون عليها ، فحلالُ الأمسِ السابقُ على الإنتخاباتِ يصبحُ حراماً بعدها حسبَ رؤيةِ أكثريةِ اليومِ الصاعدةِ مَحلَّ أكثريةِ الأمسِ التي حوّلتها صناديقُ الإنتخاباتِ إلى أقليةٍ مغلوبةٍ على أمرها لا علاقةَ لها باللجان التشريعيّة في البرلمان المُنْتَخَبِ ، ولو كان الإنتخابُ صورياًّ أو مُزوَّراً أو مُباعاً ، أو كان استفتاءٌ يحصرُ الرأي بإحدى كلمتي : نعم أو لاْ.
ويرى أَتْبَاْعُ هذا الإتجاهِ أنَّ العلاقاتِ الماديَّةَ هي مُنْتِجُ الحقوقِ ، ودليلُ وُجودِ الحقِّ هو الأثرُ الماديُّ الملموسُ ، أمّا العواطِفُ والغيبيات (الميتافيزيقية ) فلا أهميَّة لها عند الماديين ، ويضعُ هؤلاء الحقوقَ في نوعين قاصرين اعتماداً على العقلِ وما يُحسِّنُهُ وما يُقَبِّحُهُ دون مُراعاةِ الحلالِ والحرامِ ؛ بل بالإقتصارِ على النفعِ والضررِ الماديِّ مِمَّا تسبَّبَ في ضَياعِ الحقوق الروحيّة المعنويّة والفضائلِ ، وأدّّى إلى انتشارِ الرذائل، ونوْعَاْ الحقوقِ عند هؤلاء هما :

1ً - حقوقٌ طبيعيةٌ في جَلْبِ المصالِحِ ودَفْعِ المفاسِدِ ، للدُّولِ والأفرادِ . وعلى هذا الأساسِ أباحتْ قوانينُ بعضِ الدّولِ العلمانيةِ الغربيةِ قَتْلَ كبارِ السنِّ وبعضِ الْمرضى ، وَسَمَّتْ تلكَ الجريمةَ بمُسمى: القتل الرحيم ، كما أباحتْ جريمةَ زواجِ المثليين وأدرجتها تحت حقِّ الحريةِ رغم ما تُلحقُهُ من ضررٍ يؤثرُ على استمراريّة الجنس البشري في هذه الدُّنيا.

2ً - حقوقٌ اعتباريةٌ تَعاقُديَّةٌ تُلزِمُ الأطرافَ المتعاقدةَ ، ومَنْ يُخالِطُها مِنْ غيِر الْمُتعاقِدِيْنَ كما هو الحالُ في دساتيرِ الدُّولِ وقوانِيْنِها الْمُتَناقِضَةِ . ولِهذا النوعِ أثرُهُ في الصِّراعاتِ الدَّوْليَّةِ والْمَحليَّةِ ، وتَطاحُنِ الأنظمَةِ واستغلالِ الأقوياء للضُّعفاءِ وتضييعِ حقوقِهم ، ويؤدي تُناقضُ الدّذساتير إلى ضَعفِ مُكافحةِ الجرائم وتحرُّر الإرهاب والإرهابيين .

حقوق الإنسان والإرهاب والجهاد

إنَّ الإسلامَ قد أقرَّ حقوق الإنسان على مستوى الأفراد والدول، وقررت الشريعةُ الإسلامية الحقوقَ الإنسانية واعتبرتها المقاصدَ الأساسية التي تُمَكِّنُ الإنسانَ من إعمار الأرض ، وأقرت الشريعةُ الوسائلَ المشروعةَ لحفظ الحقوق ، التي تندرج تحت مَصْطَلَحِ الجهاد الإسلامي الذي يحمي الحقوقَ على كافة المستويات، إبتداءً بمُجاهدةِ النفس ، ومقاومةِ الأشرار المحليين والأعداء الخارجيين في سبيل إصلاح الإنسانية ، ونشر دين الله الذي ضَمِنَ حقوقَ الإنسان والحيوان والبيئة ، ولتحقيق ذلك نظمت الشريعةُ الإسلاميةُ الجهادَ ابتداءً بالحكمة والموعظة ، وانتهاءً باستخدام السلاح بُغية إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل ، أي بنُصرة المظلوم ، وعقوبةِ الظالم المُعتدي ، وطالبت الشريعةُ بإيجادِ حكومةٍ شرعيةٍ عالميّة تحمي حقوق الإنسان الفردية والجماعية ، وتحكمُ بالعدل بين الناس ، وتمتلك القوة التي تُمكّنُها من مُعاقبة الظالمين على الجرائم الفردية والدولية اللاإنسانية ، وتُطالبُ الشريعةُ بإنجاز ما يترتّبُ على الدول من مسؤولياتٍ جنائيةٍ كي تعودَ الحقوقُ إلى أصحابها .

والشريعة الوحيدة الصالحة لإحقاق الحقوق هي الشريعة الإسلامية ، وليس القوانينُ الوضعية العلمانيّةُ ، والجماعةُ الوحيدة التي يمكن أن تُطَبِّقَ الشريعةَ الإسلامية وتردَّ الحقوقَ المسلوبة إلى أصحابها هي الجماعةُ الإسلامية التي تؤمِن بالإسلام ديناً وتَحْكُمُ بما أَنْزَلَ اللهُ ، ولا يُمكِنُ أنْ تنوبَ عنها أيّةُ منظمةٍ أو جمعيةٍ إقليميّةٍ أو عالمية علمانيةٍ تعتمدُ القوانينَ الوضعيّة التي تُساعدُ على انتشار الإرهابِ الذي ينشرُ الرُّعبَ في عالَمِنا المعاصرِ جراءَ استبعادِ حُكمِ الله تعالى من قِبَلِ الفلاسفة والعلمانيين ودُعاةِ القوانيين الوضعية .

الأمم المتحدة وحقوق الإنسان

وإذا قال قائلٌ إنَّ الأممَ المتحدة تحمي حقوقَ الأفراد والجماعاتِ والدولِ ، وهي ذذاتُ قوانينَ وضعيّة ! فالجواب على ذلك واضحٌ من خلال عَجْزِ المنظمةِ عن تطبيقِ ميثاقِها ولوائِحِها لِعدَمِ إيمانِ الدولِ الأعضاء بالميثاقِ والقانون الدَّوْلِيّ ، وإنما هي تؤمِنُ بما يُمكنُ أنْ تستفيدَه من المنظمةِ وآلياتِها لتحقيقِ مطامعِها ، فقد صدر ميثاق الأمم المتحدة سنة 1945 م ، وربطت المادة : 55 من الميثاق بين حفظ السِّلمِ الدَّوْلي وحمايةِ حقوق الإنسان ، فجاء في الفقرة : ج : أنْ يَشيعَ في العالمِ احترامُ حقوقِ الإنسانِ والحرياتِ الأساسيةِ للجميع دونَ تمييزٍ بسببِ الجنسِ أو اللغةِ أو الدينِ أو العنصُرِ.

ونصت المادة : 66 من الميثاق على التزام الدول بتحقيق الأهداف التي أشارت إليها المادة : 55 من الميثاق ، بعبارةٍ نصُّها : يتعهدُ جميع الأعضاء بأن يقوموا منفردين أو مشتركين بما يجب عليهم من تعاون مع المنظمة لتحقيق المقاصد المنصوص عليها في المادة : 55 .

وبذلك فرضت المادة : 56 على الدول الأعضاء احترامَ ودَعْمَ حقوقِ الإنسان عن طريق الأجهزة الحكومية ، حيث أنَّ الإعتداءَ على حقوقِ الإنسان يشكِّلُ جرائمَ ضدَ الإنسانية مما يستوجبُ تطبيقَ أحكامِ المواد : 39 و 41 من البند السابع من الميثاق ، التي تُخَوِّلُ مجلسَ الأمن الدولي التدرُّجَ بين التدابير الوقائية ، والتدابيرِ العِقابية وصولاُ إلى استخدامِ القوة المسلحة ضد الدول التي تعتدي على حقوق الإنسان .
ورغْمَ كلِّ هذه الصلاحيات فإنَّ الأممَ المتحدة أغمضتْ عيونَها وصَمَّتْ آذانَها واستبكمتْ حِيالَ ماتتعرَّضُ له حقوقُ الإنسان من انتهاكاتٍ فظيعةٍ في مُعْظَمِ دُوَلِ العالم مثل : فلسطين وكشمير والشيشان وكوسوفو ومقدونيا وتركستان الشرقية في الصين وفي بورما والفلبين ، إضافةً إلى ما ترتكبهُ الأنظمةُ الرأسماليةُ من استغلالٍ جشِعٍ ومُضارباتٍ أدَّتْ إلى مُضاعَفَةِ ثراءِ الأثرياء على حساب ازديادِ فقرِ الفُقراء، وما ترتكبهُ الأنظمةُ الشيوعيةُ والإشتراكيةُ من جرائمَ بحقِّ مُواطنيها بالعُدوانِ على الأنُفس بدعوى معارضةِ النظامِ ، وعلى الأديان بدعوى التخلَّصِ منَ التخلُّفِ والرجعيّةِ ، وعلى الأملاك بدعوى الإشتراكيّة ، وعلى الأعراضِ بدعوى التّحرُّرِ والحريةِ ، وعلى العقول بمصادرة الأفكار الْمُعارضةِ لتوجُّهاتِ الأنظمةِ الحاكمةِ .
ومع الأسف الشديد فإنّ الأمم المتحدةَ علّلتْ سكوتَها عن تلك الجرائم ؛ وعدمَ تدخُّلِها بعلّة : عدَم التدخُّل في الشؤونِ الداخليةِ للدول الأعضاء ، مع أنَّ وقائعَ الأحوالِ تدحضُ هذا الإدِّعاء حيثُ الأمم المتحدة لم تتدخل لإنقاذ الشيشان من العدوان الروسي ؛ ولكنها تدخلت لسلخِ تيمور الشرقية عن اندونيسيا ، وهذا غيضٌ من فيضٍ ، وهنالك الكثير في ملفات مُجرمي الحروب الذين يعاملهم المجتمعُ الدولي كقادةٍ ورؤساء دُول !!

إنَّ المجتمعَ الدولي تجاهل العدوانَ على حقوق الإنسان في الكثير من بقاع الأرضِ بشكلٍ سافرٍ ، وتجاهل الميثاقَ وما فيه من مواد قانونية لأن آلياتِ تنفيذِ القانون الدولي مُجَيَّرَةٌ للدولِ الكُبرى التي لها حَقُّ النقضِ الفيتو ، والتي أساءت استخدامَ حقِّ النقضِ فعطلتْ قراراتٍ دوليةً يُعتبرُ تعطيلُها جريمة كبرى واعتداءً على حقوق الإنسان ، وهذا أكبر دليلٍ على فشل القوانين الوضعية وفي طليعتها القانون الدَّّوْلي وميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر سنة 1948 م على خلفيةِ إعلانِ حقوق الإنسان الذي واكب الثورةَ الفرنسيةَ سنة 1789 م ، ولم يلحظ للشعوبِ حقَّ تقرير المصير حتى سنة 1966 م .

ورغمَ أنّ إعلانَ حقوقِ الإنسان يتمتع بقوة قانونية وضعيّة إلزامية يستمدها من ميثاق الأمم المتحدة ، فإنّ تلك القوّة القانونيةَ مُعطَّلةٌ ومُعطِّلةٌ ، إذا لم تخدم مصالحَ القوى الجبارة في العالم ، ومواقف الأمم المتحدة متناقضة ومتعارضة فيما يخصُّ الثقافات والحضارات التي لا تنسجمُ مع تنظيرات الدول العلمانية الْمُسيطرة على الأمم المتحدة مما جَعَلَ التناقضَ سيّدَ الموقف في ساحات القوانين الوضعية حيثُ تظهرُ الإزدواجيّةُ بالدعوى إلى الخصوصية في مكان ؛ وإلىعدمِها والإستهزاء بها في مكانٍ آخر ؛ بل لا نعدمُ من يعتبرُ الخصوصيةَ الدينية والثقافيةَ عَقَبَةً كأداءَ تُعيقُ تعميمَ المفهوم الكونيَّ الوضعيَّ لحقوقِ الإنسانِ في ظلّ نظامٍ عالميٍ علمانيّ يُقدِّمُ الحقوقَ الماديّةَ على الحقوق الروحيةِ ، ويحقّق المزيدَ من الثراء للشركات العالمية ( الكارتيلات ) وكبارِ الأثرياء .

لقد نَصَّتْ مُعْظَمُ الدساتير العلمانية المعاصرة في دول العالم على المبادئ التي تضمَّنها إعلانُ حقوق الإنسان بشكلٍ أوْ بآخر ، ومع ذلك فما زالت حقوق الإنسان مهدورةٌ في أكثر الدول ادعاءً للديموقراطية ، حيث تساهم القوانين الوضعية في تخريب البناء الأُسري ، ولا تركز على الإصلاح الأخلاقي.

ولذا فإننا نرى أن إنقاذ البشرية من الظلم يفرضُ تطبيقَ الشريعة الإسلامية ، ويتطلَّبُ ذلكَ مُمارسةَ الجهاد الإسلاميّ بشروطه الشرعيةِ في سبيل إحقاقِ الحقوق المشروعةِ قولاً وعملاً .


الحقوق في الشريعة الإسلامية

ولكي نُلطِّفَ هذا الطَّرْحَ على مسامِعِ الذين زاغَتْ عُقولُهم ؛ فإننا نوضحُ ما يتطلَّبُ التوضيحَ منعاً للإلتباساتِ المزعومةِ ، وهذا يستوجِبُ تَبييَن الحقوقِ التي حفظتها الشريعةُ الإسلاميةُ ، وشَرعت الجهادَ الإسلاميَّ لحفظِ الحقوقِ بشكلٍ عام بما في ذلك حقوقُ الإنسان التي نصَّتْ عليها مقاصِدُ الشريعةِ الإسلاميةِ بشكلٍ واضِحٍ لِذوي الألبابِ الْمُنصفينَ ، ورتَّبَتْهَا على مُستوياتٍ عِلميَّةِ دقيقةٍ تُحقِّقُ إعمارَ الأرضِ بالعدلِ والْمُساواةِ ، وإسعادَ البشريّةِ بمُراعاةِ حقِّ اللهِ تعالى وحقوقِ البشرِ ، وقد بيَّنَ أنواعَ الحقوقِ الأصوليُّ المسلمُ أحمدُ بنُ الساعاتي في كتابه : بديع النظام الجامع بين أصول البزدوي والإحكام ، فقال : ( فمنها: خالصُ حقِّ الله تعالى: عباداتٌ محضةٌ، كالإيمانِ، والصلاةِ، والزكاةِ، والصومِ، والحجِّ، والعُمرة والجهادِ ، والاعتكافِ .

وعبادةٌ تتضمنّ مؤونةً : كصدقة الْفِطْرِ، فلم يُشْتَرَطْ لها كَمَاْلُ الأهليَّةِ.

ومَؤونَةٌ فيها معنى القُربَةِ: كالعُشرِ، لا يُبْتَدَأُ بهِ الكافِرُ، وإنْ أجازَ مُحمدٌ بقاءهُ اعتباراً بالْخَراجِ.

ومؤونَةٌ فيها عُقوبةٌ : كالْخَراجِ، لأنّ سببها الانقطاعُ إلى الحرثِ الذي هو سَبَبُ الذُّلِ؛ شَرْعاً، فلا يُبْتَدَأُ به الْمُسْلِمُ، وجازَ إبقاؤُهُ لِتَردُّدِهِ، فلم يجبْ، ولم يَبطلْ بالشَّكِّ.

وحقٌّ قائمٌ بنفسهِ : كالخُمس في المعدنِ، لأنَّ الجهادَ حَقُّهُ فكان الْمُصابُ بِهِ لَهُ، وإنْ مَنَّ بأربعةِ أخماسِهِ على الغانمين، لهذا تولّى الإمامُ قِسمتَهُ ، ولهذا جعلنا عِلَّةَ الاستحقاقِ نُصرةَ الاجتماعِ.

وعقوباتٌ كاملةٌ : كالحدودِ.

وقاصرةٌ نُسَمِّيها أَجْزِيَةً : كحِرمانِ الإرث بالقتل.

وحُقوقٌ دائرةٌ بين العقوبة، والعبادةِ : كالكفارة أداؤُها عِبادةٌ ؛ ووُجُوبُها جَزاءٌ، والعبادَةُ غَالبةٌ، للاختيارِ في الأداء، وتُؤَدَّى بِعبادةٍ مَحضةٍ، وتُشترَطُ لها النيَّةُ، ولهذا لم نوجِبْها في الغَمُوسِ، والقتلِ لعدمِ الإباحة بوجهٍ، ومنَعْناها عن الصَّبِيِّ والْمُسَبِّبِ لِعَدَمِ الأهليةِ والْمُباشرَةِ.

وكفارةُ الفِطر: تُغَلَّبُ فيها العقوبةُ : ولهذا قُوبِلَ بِها الْجِنايةُ الكاملةُ، فأسْقطناها بالشُّبهةِ كالْحَدِّ، وباعتراضِ الْحَيْضِ، والْمَرَضِ، والفِطْرِ على سَفَرٍ حَادِثٍ على الصَّومِ. وألحقَها الشَّافِعيُّ بِغيرها. وخَصَّصْنَاها: بقوله -عليه السَّلام- ( فَعَلَيْهِ مَاْ عَلى الْمُظَاهِرِ ) وهي فيه عقوبةٌ، وسَبَبُها حَرامٌ إجْماعاً.

وما يجبُ عُقوبةً قد يُسْتَوْفَى عِبادةً : فإنَّ إقامَتَهَا عِبادةٌ، ولا عَكْسَ. ولهذا قُلنا: بالتَّداخُل فيها.

ومنها: خالصُ حَقِّ العبدِ وهو كثيرٌ . (نَصَّت عليه مقاصدُ الشريعة ) .

ومنها: ما غُلِّبَ فيه حَقُّ اللهِ تعالى كَحَدِّ الْقَذْفِ.

ومنها: ما غُلِّبَ فيه حَقُّ الْعَبْدِ، كالقصاصِ.

وكُلُّهَاْ يَنْقَسِمُ إلى أصْلٍ، وخَلَفٍ : كالتَّصْدِيْقِ في الإيْمَانِ، ثُمَّ الإقْرَاْرِ في أحكامِ الدُّنيا ثُمَّ أَداءِ أحَدِ الأبوين، ثُمَّ تَبَعِيَّةِ الدَّارِ، والْغَنيمةِ، وكَالتَّيَمُّمِ معَ الماءِ ، وثُبوتُ الخِلافَةِ بالنَّصِّ ، أوْ دَلالتهِ . ) .

ولمعرفةِ هذه الحقوقِ بيّنَ الأُصوليون المسلمون ما يتعلق بها وفي ذلك يقولُ إبنُ الساعاتي : « وأمّا مُتَعَلَّقَاْتُهَاْ . فالسَّبَبُ ما يُفضي إلى مَطلوبٍ، يُدركُ فِيْهِ لاْ بِهِ .

والْعِلَّةُ : ما يَجِبُ بِهِ الْحُكْمُ ابْتِدَاءً . كالْبَيْعِ لِلْمِلْكِ، و النِّكاحِ لِلْحِلِّ، والقتلِ للقصاصِ ؛ واللهُ تعالى هُو الْمُوْجِبُ، وإنَّما نُسْبَ إلى الْعِلَّةِ بِجَعْلِهِ عِلَّةً مُوْجِبَةً في حَقِّنا لِخَفاءِ حُكْمِهِ في كُلِّ واقِعَةٍ بعدَ الْوَحْيِ، وعلى هذا فالاتِّفاقُ أنَّ شَاهِدَ الْعِلَّةِ إذا رَجَعَ ضُمِنَ لِنِسْبَةِ الإيْجَابِ إليْهِ.

والشَّرْطُ : ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُوْدُ .

والْعَلامَةُ : ما يُعْرَفُ بِها مِنْ دُوْنِ تَعَلُّقٍ ، ولها نَوْعٌ واحِدٌ وهو ما يُعْرَفُ مِنْ دُونِ تَعَلُّقِ وُجُوْدٍ ولا وُجُوْبٍ » .

إنّ مَنْ يتدبَّر معنى كلامِ ابنِ الساعاتي وغيرهِ من علماءِ الأصولِ المسلمينَ يجدُ أنَّ الأصوليينَ المسلمينَ هم الذينَ بيَّنوا حقوقَ اللهِ تعالى وحقوقَ الإنسانِ وما يتعلَّقُ بالحقوق من الأسبابِ والعللِ والشروطِ والعلامات ، لكي لا يلتبس الحقُّ بالباطلِ كما هو الحالُ في أُطروحاتِ دُعاةِ حقوقِ الإنسانِ المعاصرين الذينَ ارتكبوا العدوانَ على حقوق الإنسان بتعطيلهم لأحكام الشريعة الإسلالامية التي تُنصفُ الإنسان وتنقذهُ من الإرهاب ، ومن جرائم العلمانيين المزورين الذين يشوّهون صورة الأصوليةِ الإسلامية بإلباسها لُبوسَ الأصولية الغربيةِ الإرهابية .

مقاصد الشريعة الإسلامية

إنَّ غايةَ مقاصد الشريعةِ الإسلامية هي إحقاقُ الحقِّ ، ومقاومةُ الباطلِ بكلِّ الوسائلِ الْمُتوفِّرةِ ، والمقصودُ من شرعِ الحكمِ الشرعيّ الإسلاميّ في إحلال الحقوق وتحريم الباطل : « إمّا جَلْبُ مَنفعَةٍ لِلعبدِ ، أوْ دَفْعُ مَفْسَدَةٍ عنهُ أوْ مَجْمُوْعُهُمَاْ ، وذلك إمَّا في الدُّنيا كالْمُعاملاتِ، أو في الأُخْرَى كإيجابِ الطَّاعاتِ، وتَحريْمِ الْمَعَاصِيْ.

وقَدْ يَحْصلُ الْمَقصودُ يَقيناً : كالبيعِ .

وظَناًّ : كالقصاصِ الْمُترتِّبِ على القتلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَاْنِ، لأنَّ الغالِبَ صِيانَةُ النُّفُوْسِ.

وقد يكونُ الْحُصولُ ونَفْيُهُ مُتُساويينِ : وهذا لا مِثالَ له على التَّحقيقِ، ويَقْرُبُ منْهُ الْحَّدُّ على الْخَمْرِ لِحِفْظِ الْعَقْلِ، فإنَّ الْحُصولَ ونَفْيَهُ مُتساويانِ لِتَعارُضِ كَثْرَةِ الْمُمْتَنِعِيْنَ وكَثْرَةِ الْمُقْدِمِيْنَ.

وقد يَتَرَجَّحُ نَفْيُهُ : كالحكمِ بِصحَّةِ نكاحِ الآيِسَةِ لِمَقْصُوْدِ التَّوالُدِ، فإنَّ نَفْيَهُ أَرْجَحُ.

والقائلونَ بالْمُناسَبَةِ مُجْمِعُونَ على الأوَّلَيْنِ . وأما الآخِرانِ : فاتَّفَقوا على اعْتِبَارِهِما إذا كانَ الْمَقْصُوْدِ ظَاهِراً مِنَ الوصْفِ في غالِبِ صُوَرِ الْجِنْسِ، وإلاَّ فَلاْ.» .

إنّ الغايةَ من مقاصدَ الشريعةِ الإسلاميّةِ هي إحقاقُ حقوقِ اللهِ ، ثُمَّ حقوق الإنسانِ وحقوق مافي الكون من مخلوقات ، والحقوقُ الشرعيّةُ ذاتُ مستوياتٍ في درجاتِ إلحاحِها وأنواعِها حَسْبَ تَسَلْسُلِها ابتداءً بالضرورياتِ فالتكميليات فالتحسينيات ، ومُراعاةُ هذا التقسيم والتسلسلِ هي أساسُ حِفْظِ الْحُقوقِ الشرعيّةِ عامةً ، وهي الحقوق التالية:

أولاً - حقوقٌ ضَروريةٌ في أصلِها : وهي أعلى الحقوقِ الإنسانيةِ ، كالمقاصدِ الخمسةِ - وهي : حِفْظُ الدِّيْنِ، والنَّفْسِ، والْعَقْلِ، والنَّسْلِ، والْمَالِ - التي رُوعيتْ في كُلِّ مِلَّةٍ ذاتِ فطرةٍ سليمةٍ لم تتلوث برذائل الشهوات الحيوانية واتّباع الغرائز المنحرفة عن جادَّةِ الأخلاق الإنسانية تلكَ الغرائزُ التي يروجُ لها المنحرفون تحت عنوان : الحريةُ الشخصيةُ المطلقة بشكلٍ منفلتٍ غير منضبطٍ يفوق التفلُّتَ الحيواني .

ثانيا - حقوق مُكَمِّلةٌ للحقوقِ الضَّرُوْرِيِّةِ : كَتحريمِ قليلِ الْخَمْرِ، والْحَدِّ عليهِ ، لأنّ الخمرَ معطّلةٌ للقوى العقليةِ ، والعجبُ كُلُّ العجبِ بالقوانين الوضعية التي تسمحُ بالخمور والدعايات لها بوسائل الإعلام ، ولكنها تدعي حرب المخدِّرات ، وعلةُ تحريم المخدّر والمخمر واحدةٌ ألا وهي شلُّ العقل بشكل جزئيّ أو كلّيّ .

ثالثاً - حقوقٌ غيرُ ضَروريّةٍ : وهي ما تدعو إليها الحاجَةُ في أصْلِهِا، كالبيعِ والإجَارَةِ ، وهي مُعارَضَةٌ لِلتَّكمِيْلِ ، ولِهذا جازَ اخْتِلافُ الْمِلَلِ فِيْها.

رابعاً - حقوقٌ مُكَمِّلةٌ لغير الضّروري : كَرِعايَةِ الْكَفَاءةِ بين الأزواجِ والزوجات من حيثُ الثقافةِ والعلمِ والنسبِ والسنِ والطبقة الإجتماعية .

خامساً - حقوقٌ لا تَدعُو إليها الحاجةُ لَكِنَّها منْ قَبيلِ التَّحسيِنِ ، كَسَلْبِ الشاهدِ أَهليةَ الشَّهادَةِ لانْخفاضِ رُتْبَتِهِ عن الشهودِ العدول جرّاءَ سلبِ الحريّة ، أو الإنحيازِ أو الجهلِ بموضوع الشهادة التي تتطلب الإختصاص ، أو بسبب السوابق التي تُفقِدُ صاحبَها عدالةَ الشاهدِ .

الآليات الشرعية لحفظ الحقوق

إنّ مَن يتدبّر معانيَ مقاصدِ الشريعةِ يجدُ أنّها شملت حقوقَ الإنسان كاملة ، ولم تُغفِلْ حقوق الجنين والطفلِ والمرأةِ والوالدين والأحياء والأموات والبيئة ، ومصداق ذلك ماجاء في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والسيرة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين ، ومن تبعهم بإحسان من المسلمين . والجهاد مشروعٌ لمنع الفتنة وما تجرّه من فساد ، وتعطيل للحدود : ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) .

الجهاد لمنع الفتنة وما تجرّه من فساد ، وتعطيل للحدود : ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) .


والجهاد مشروع لمنع الفتنة وما تجرّه من فساد ، وتعطيل للحدود : ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)

حقوق الأولاد تبدأ بضمان حياتهم ، والإحسان إليهم مقرون بالإحسان للوالدين ،
( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) .
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمْ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140)

{ وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا }

حقوق الوالدين قضت الشريعة بحفظ حقوق الوالدين ، وأمرت بالإحسان إليهما ، فمثلما أمرت الأصول بالعطف على الفروع فقد أمرت الفروع باحترام الأصول : ( وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ (15 ) .

( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا (36) .

( وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلاَوَّابِينَ غَفُورًا (25) .

حقوق الأقارب نظمت الشريعة حقوق الأقارب ، وآليات الميراث ، ونهت عن تضييع الأموال بالتبذير ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا (28) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30) .

حفظ الحقوق الإقتصادية { وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا } .
( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) .

{ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ } .
وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) .

حقوق غير المسلمين

لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (9) .

لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) .

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) .


حق مكافحة الفساد

قتلُ النفس بغير حق جريمة كبرى ، وهذا شرع مَن قبلَنا ، وهو شرع لنا حيث لم يردْ في شريعتنا الإسلامية ما يُعارضُه بل حفظ النفس مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية ، وأما في حال نشر الفساد في الأرض فإن الجهاد ضدّ المفسدين وقتلهم واجب لتخليص البشرية من شرورهم وعدوانهم ، لأنّّ الْمُفسدين في الأرض يضيعون حقوقهم وحقوق غيرهم فيستوجبون العقوبة إحقاقاً للحقوق بشكل عام لإذا لم يتوبوا ويقلعوا عن الفساد .

( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الاَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الاَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)


العقوبة من جنس العصيان

إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الاَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إلاّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35) .

حق الحجر على السفيه

السفيه عدو نفسه ولذلك أقرت الشريعة الوصاية عليه ، وأباحت الحجرَ على أمواله لإنقاذه من سوء أفعاله ، ولحفظ حقوقه وحقوق غيره حظرت تفويض إدارة الأموال إليه . ( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5) . سورة النساء

ضبط الحقوق الشرعية بالجهاد

لمْ تترك إحقاقَ الحقوقِ خاضعاً للمزاجِ الشخصيّ والغرائزِ المطلقة ؛ بل فرضت الشريعةُ الْجهادَ لإحقاق الحقوقِ وهو على مراتبَ مفصَّلةٍ في كتُبِ الفقهِ الإسلامي، وسنكتفي بإيرادِ نماذجَ توضِحُ أنّ الجهادَ هو الضمانُ الأساسيّ والوحيدُ لحفظِ الحقوق كافّةً .

وإنّ حفظ الحقوق عامّةً يتطلّبُ الدّفاع عن الحقوق بشكل شرعيّ يقوم على العدلِ والمساواةِ بين الناس ، وحفظ التّعادُل في الطبيعة تطبيقاً للقاعدة الشرعية الإسلامية ( لا ضررَ ولا ضرار ) وأُولُو العقول يعلمون أنّ تطبيقَ هذه القاعدة و ما يشبهُها من القوانين سيصطدمُ بِمُعارضةِ المعتدين على الحقوق ، والْمُلحقين الضررَ بالمغلوبينَ لجني مكاسبَ فردية خاصّة تحتَ تأثير الدوافعِ الأنانيةِ التي تستوجبُ المكافحةَ ، والمكافحةُ تستوجبُ الجهادَ كما هو مُقرّرٌ في الشريعة الإسلامية .

ولا ينحصرُ العدوان على الحقوقِ بالآخرِ ، وإنما قد يعتدي الإنسانُ على حقوق نفسهِ بنفسه مما يستوجبُ شرْعاً حمايةَ الإنسانِ من نفسهِ ، مثلما تجبُ حمايته من الآخرين الذين يعتدون عليه ، وقد بينت الشريعةُ الإسلاميةُ هذه المسألةَ فحرّمت الإنتحارَ ؛ وتعريضَ النفس للمهالك ، و وضعتْ للوقاية طُرُقاً جهاديةً تنقذ الإنسان من النفسِ الأمارةِ بالسوء ، كما وضعت الشريعة الإسلاميةُ طرقاً جهاديةً لإنقاذِ البشرية بِمُجاهدةِ أنصار الشرِّ وأعداء الخير الْمُعطلينَ للشريعةِ التي تضمّنت خُططاً تكفلُ حقوقَ الإنسان في الدنيا والآخرة . فما هي ماهيّةُ الجهاد الإسلامي الذي يضمنُ حقوقَ الإنسان من الإرهابِ الذاتيّ والإرهابّ الداخليّ والخارجيّ ؟


العلاقة بين الجهاد وحقوق الإنسان

الجهادُ في الإسلام هو ما يكونُ لإعلاء كلمة الله تعالى وإحلال الخير محلّ الشرِّ، ولإيضاح هذا المعنى فإننا نبدأُ بذكر تعْرِيف ‏الجهادِ حسبما أجمعَ عليهِ الفُقهاءُ المسلمون ، لا حسبما يدعيه الطاعنون المنافقون :

‏ ‏الْجِهَادُ : مَصْدَرُ جَاهَدَ ‏،‏ وَهُوَ مِنْ الْجَهْدِ ‏؛ والْجُهدِ -‏ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَضَمِّهَا ‏-‏ أَيْ الطَّاقَةِ وَالْمَشَقَّةِ ‏،‏ وَقِيلَ ‏:‏ الْجَهْدُ ‏-‏ بِفَتْحِ الْجِيمِ ‏-‏ هُوَ الْمَشَقَّةُ ‏،‏ وَالْجُهْدُ – بِضَمِّ الجيم – الطَّاقَةُ .‏ ‏
‏وَالْجِهَادُ : الْقِتَالُ مَعَ الْعَدُوِّ كَالْمُجَاهَدَةِ ‏ يُقَالُ ‏:‏ جَاهَدَ الْعَدُوَّ مُجَاهَدَةً وَجِهَادًا إذَا قَاتَلَهُ‏.‏

وَأنّ حَقِيقَةُ الْجِهَادِ هي ‏:‏ ( َاسْتِفْرَاغُ الْوُسْعِ والطّاقة فِي مُدَافَعَةِ الْعَدُوِّ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أنواعٍ :

بِالْيَدِ أَوْ اللِّسَانِ ‏.‏ أَوْ مَا أَطَاقَ مِنْ شَيْءٍ ‏‏وهو ثلاثة أنواع :‏

1 - جهَادُ الْعَدُوِّ ظَّاهِراً وهو الغزو والقتالُ لتكونَ كلمةُ الله هي الْعُليا.

2 - وجهادُ الْملحدين بالحُجَجِ الواضحة .

3 - وجهادُ العدوّ باطِناً ؛ وهو جهادُ النفس وجهادُ الشَّيْطَانِ ‏. وهو أصعبُ الجهاد . فإنّّ مُراجعةَ النفسِ ومُقابلتَها أصعب من قتال أفتك المقاتلين ، وهذا أمرٌ محسوسٌ نجدهُ من أنفُسنا، فإنّّ الأعمال البدنيّة أهونُ من الأعمال القلبية ، ولذلك تجدُ الناسَ يعالجون الصنائعَ الشاقّةَ ، ولا يُعالِجُ العلمَ منهم إلاّ القليل لأنّهُ أمرٌ قلبيّ

وَتَدْخُلُ الثَّلَاثَةُ فِي قَوْله تَعَالَى ‏:‏ ‏{‏ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ‏}‏ ‏.‏ ‏

‏وَقَالَ الإمام ابْنُ تَيْمِيَّةَ ‏ :‏ الْجِهَادُ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْقَلْبِ كَالْعَزْمِ عَلَيْهِ ‏،‏ أَوْ بِالدَّعْوَةِ إلَى الْإِسْلامِ وَشَرَائِعِهِ ‏،‏ أَوْ بِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى الْمُبْطِلِ ‏،‏ أَوْ بِبَيَانِ الْحَقِّ وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ ‏،‏ أَوْ بِالرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ فِيمَا فِيهِ نَفْعُ الْمُسْلِمِينَ ‏،‏ أَوْ بِالْقِتَالِ بِنَفْسِهِ ‏.‏ فَيَجِبُ الْجِهَادُ بِغَايَةِ مَا يُمْكِنُهُ ‏.‏ ‏وهنالك ألْفَاظٌ لها صِلَةِ بالجهاد هي : السِّيَرُ والْغَزْوُ ، ‏والرِّبَاطُ ‏ ‏.
ضوابط الجهاد

إنّ المجاهد يجب أن يستأذن الْوَالِدَيْنِ ‏‏ و الدَّائِنِ والْإِمَامِ ، وأخذ الإذن ضمان من عدم التهور ، وحلول الرأي الجماعي محل الرأي الفردي ، وهذا الإذن ليس له وجود عند الإرهابيين الذين لا يتقيدون بشريعة ولا بأوامر أولي الأمر .

‏اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ فِي الْجِهَادِ قَتْلُ النِّسَاءِ ‏،‏ وَالصِّبْيَانِ ‏،‏ وَالْمَجَانِينِ ‏،‏ وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلِ و لا يَجُوزُ قَتْلُ الشُّيُوخِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ‏:‏ ‏{‏ لا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا ‏،‏ وَلا طِفْلا ‏،‏ وَلا امْرَأَةً ‏}‏ ‏،‏ وَلِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى ‏:‏ ‏{‏ وَلا تَعْتَدُوا ‏}‏ يَقُولُ ‏:‏ ‏"‏ لَا تَقْتُلُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ ‏ ،‏ وَالشَّيْخَ الْكَبِيرَ ‏"‏ وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏.‏ وَلأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ فَلا يُقْتَلُ كَالْمَرْأَةِ ‏،‏ وَقَدْ أَوْمَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ فِي ‏{‏ الْمَرْأَةِ الَّتِي وُجِدَتْ مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ ‏،‏ فَقَالَ ‏:‏ مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ ‏}‏ ‏.‏ ‏وَلا يُقْتَلُ الرَّاهِبُ فِي صَوْمَعَتِهِ ‏ ،‏ وَلا أَهْلُ الْكَنَائِسِ الَّذِينَ لا يُخَالِطُونَ النَّاسَ ‏،‏ وَلا سَائِحَ فِي الْجِبَالِ لا يُخَالِطُ النَّاسَ ، ‏وَكَذَلِكَ الْفَلاحُ الَّذِي لا يُقَاتِلُ ‏،‏ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ‏:‏ ‏"‏ اتَّقُوا اللَّهَ فِي الْفلاحِينَ الَّذِينَ لا يَنْصِبُونَ لَكُمْ الْحَرْبَ‏"‏ ‏.‏ وَصَرَّحَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُ رَسُولِ الْكُفَّارِ ‏.‏ ‏
وشُرُوطُ وُجُوبِ الْجِهَادِ ‏هي : الإسْلامُ و الْبُلُوغُ و الذُّكُورَةَ و الْقُدْرَةُ عَلَى مُؤْنَةِ الْجِهَادِ و السَّلَامَةُ مِنْ الضَّرَرِ .

‏مَشْرُوعِيَّةِ الْجِهَادِ

الْجِهَادُ مَشْرُوعٌ ومنصوصٌ عليه نقلاً : بالقرآن والسُّنَّةِ ، وعقلاً : بِالْإِجْمَاعِ والقياس‏،‏ فمنذُ الأزلِ والصالحون يجاهدون لإحقاق الحقوق ومحاربة الباطل ، وتاريخ القتال لم يبدأ بالمسلمين ، وإنما بدأ بقابيل وهابيل ، فما كان من القتال لإحقاق الحق فهو جهاد في سبيل الله ، وما كان عدواناً فهو إرهاب لا تقرُّه الشرائع السماوية ، ولا تقبل به العقول السليمة .

مبررات الجهاد

‏لَقَدْ كَانَ الْجِهَادُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ ‏؛ لأنَّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَ الأَْمْرِ هُوَ التَّبْلِيغُ وَالإنْذَارُ ‏،‏ وَالصَّبْرُ عَلَى أَذَى الْكُفَّارِ ‏،‏ وَالصَّفْحُ وَالإْعْرَاضُ عَنْ الْمُشْرِكِينَ ‏،‏ وَبَدَأَ الأَمْرَ بِالدَّعْوَةِ سِرًّا ثُمَّ جَهْرًا ‏.‏ ‏

‏قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ‏:‏ ‏{‏ اُدْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّك بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ‏}‏ وَقَالَ أَيْضًا ‏:‏ ‏{‏ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ ‏}‏ ثُمَّ أَذِنَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْقِتَالِ إذَا ابْتَدَأَهُمْ الْكُفَّارُ بِالْقِتَالِ ‏،‏ وَكَانَ ذَلِكَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ ‏.‏ وَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى ‏:‏ ‏{‏ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا‏} . ‏

وليس الجهادُ الإسلامي من أجل منفعةٍ ماديّةٍ ، بل من أجل إنقاذ الناس مما هم فيه من الضلال والعدوان على الحقوق المشروعة ، وهذا واضح في قول رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏:‏ ‏{‏ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلا اللَّهُ ‏،‏ فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إلا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ ‏}‏ ‏.‏

وهذا المعنى واضحٌ في الحديث النبوي الذي أخرجه الإمام البخاريّ في الصحيح حيثُ قال: ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏شُعْبَةُ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرٍو ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي وَائِلٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي مُوسَى ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ ‏: ‏جَاءَ ‏ ‏رَجُلٌ ‏ ‏إِلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ : الرَّجُلُ يُقَاتِلُ ‏ ‏لِلْمَغْنَمِ ‏ ‏وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ ‏ ‏لِلذِّكْرِ ‏ ‏وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ ‏ ‏لِيُرَى مَكَانُهُ ‏ ‏فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قَالَ ‏: ( ‏مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏) والْمُرَاد بِكَلِمَةِ اللَّه : دَعْوَة اللَّه إِلَى الاِسْلام ، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد : أَنَّهُ لا يَكُون فِي سَبِيل اللَّه إِلاّ مَنْ كَانَ سَبَبُ قِتَاله طَلَبَ إِعْلاء كَلِمَة اللَّه فَقَطْ ، بِمَعْنَى : أَنَّهُ لَوْ أَضَافَ إِلَى ذَلِكَ سَبَبًا مِنْ الأَْسْبَاب الْمَذْكُورَة أَخَلَّ بِذَلِكَ ، وَيَحْتَمِل أَنْ لا يُخِلّ إِذَا حَصَلَ ضِمْنًا لا أَصْلاً وَمَقْصُودًا ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الطَّبَرِيُّ فَقَالَ : إِذَا كَانَ أَصْل الْبَاعِث هُوَ الأَوَّل َلا يَضُرّهُ مَا عَرَضَ لَهُ بَعْد ذَلِكَ ، وَبِذَلِكَ قَالَ الْجُمْهُور.

وَالْحَاصِل مِمَّا ذُكِرَ : أَنَّ مَنْشَأَ الْقِتَال الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة ، وَالْقُوَّة الْغَضَبِيَّة ، وَالْقُوَّة الشَّهْوَانِيَّة، وَلا يَكُون فِي سَبِيل اللَّه إِلاّ الأْوَّل ، وَفِي الحديث : بَيَانٌ أَنَّ الأعْمَال إِنَّمَا تُحْتَسَب بِالنِّيَّةِ الصَّالِحَة ، وَأَنَّ الْفَضْل الَّذِي وَرَدَ فِي الْمُجَاهِد يَخْتَصّ بِمَنْ ذُكِرَ، وَفِيهِ ذَمُّ الْحِرْص عَلَى الدُّنْيَا ، وَعَلَى الْقِتَال لِحَظِّ النَّفْس فِي غَيْر الطَّاعَة .

ويستنتجُ من هذا الحديث النبوي أنَّ القتال لا يكون جهاداً إلاّ إذا اقترن بنيةِ إعلاءِ كلمة الله تعالى التي تُحِقُّ الحقوقَ بشكل عام وتحرِّرُ البشريةَ من الجور والعدوان .

جهاد النفس أوّ ضمانات حقوق الإنسان

يبدأُ الجهادُ الشرعيُّ الإسلاميُّ بمُجاهدة النفسِ لردّها عن الضلال ، وعن تضييع حقوقِها وحقوق الآخرين ، وجهادُ النّفسِ منصوصٌ عليه في القرآن الكريم في قوله تعالى : تَعَالَى { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى } . وقد عقد الإمام البخاري في الصحيح باباً تحت عنوان : ‏( بَابٌ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) ‏ وشُرحَ هذا العنوان إبنُ حجر في كتاب فتح الباري بالقول : ‏يَعْنِي بَيَان فَضْل مَنْ جَاهَدَ .

وَالْمُرَاد بِالْمُجَاهَدَةِ : كَفُّ النَّفْس عَنْ إِرَادَتهَا مِنْ الشَّغْل بِغَيْرِ الْعِبَادَةِ .
وَقَالَ اِبْن بَطَّال : جِهَاد الْمَرْء نَفْسَهُ هُوَ الْجِهَاد الأَكْمَل ، وَيَقَعُ بِمَنْعِ النَّفْسِ عَنْ الْمَعَاصِي ، وَبِمَنْعِهَا مِنْ الشُّبُهَاتِ ، وَبِمَنْعِهَا مِنْ الإِكْثَارِ مِنْ الشَّهَوَاتِ الْمُبَاحَة لِتَتَوَفَّرَ لَهَا فِي الآخِرَةِ ، وأَصْلُ مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ فَطْمُهَا عَنْ الْمَأْلُوفَاتِ وَحَمْلُهَا عَلَى غَيْر هَوَاهَا . وفي ذلك ضمانٌ للحقوق الإنسانيّة ؛ ومنعٌ للعُدوان .

وَلِلنَّفْسِ صِفَتَانِ : اِنْهِمَاكٌ فِي الشَّهَوَاتِ ، وَامْتِنَاعٌ عَنْ الطَّاعَاتِ ، فَالْمُجَاهَدَةُ تَقَعُ بِحَسَبِ ذَلِكَ .

و ‏(‏ جِهَاد النَّفْس ) دَاخِلٌ فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ ، فَإِنَّ الأَعْدَاءَ ثَلاثَةٌ : رَأْسُهُمْ الشَّيْطَانُ بنوعيه الإنسي والجني ، ثُمَّ النَّفْسُ لأَنَّهَا تَدْعُو إِلَى اللَّذَّاتِ الْمُفْضِيَةِ بِصَاحِبِهَا إِلَى الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ الَّذِي يُسْخِطُ الرَّبَّ ، وَالشَّيْطَان هُوَ الْمُعِين لَهَا عَلَى ذَلِكَ وَيُزَيِّنُهُ لَهَا . فَمَنْ خَالَفَ هَوَى نَفْسِهِ قَمَعَ شَيْطَانه ، فَمُجَاهَدَته نَفْسَهُ حَمْلُهَا عَلَى اِتِّبَاعِ أَوَامِرِ اللَّهِ وَاجْتِنَاب نَوَاهِيه ، وَإِذَا قَوِيَ الْعَبْد عَلَى ذَلِكَ سَهُلَ عَلَيْهِ جِهَاد أَعْدَاء الدِّين الذين يُخالفون الدّين الذي ارتضاهُ اللهُ منقذاً للبشرية وطريقاً لخلاصها من الشرور .

فَالْأَوَّل الْجِهَاد الْبَاطِن .

وَالثَّانِي الْجِهَاد الظَّاهِر .

(‏ وَجِهَادُ النَّفْسِ ) أَرْبَعُ مَرَاتِبَ :

1 - حَمْلُهَا عَلَى تَعَلُّم أُمُور الدِّين .
2 - ثُمَّ حَمْلهَا عَلَى الْعَمَلِ بِذَلِكَ .

3 - ثُمَّ حَمْلُهَا عَلَى تَعْلِيمِ مَنْ لا يَعْلَم .

4 - ثُمَّ الدُّعَاء إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَقِتَال مَنْ خَالَفَ دِينه وَجَحَدَ نِعَمَهُ ، وأضاعَ حقوقَ الله ؛ ثم حقوقَ الإنسان .

وَأَقْوَى الْمُعِين عَلَى ‏(‏ جِهَاد النَّفْس ) جِهَاد الشَّيْطَان بِدَفْعِ مَا يَلْقَى إِلَيْهِ مِنْ الشُّبْهَة وَالشَّكِّ ، ثُمَّ تَحْسِين مَا نَهَى عَنْهُ مِنْ الْمُحَرَّمَات ، ثُمَّ مَا يُفْضِي الإكْثَار مِنْهُ إِلَى الْوُقُوعِ فِي الشُّبُهَاتِ ، وَتَمَام ذَلِكَ مِنْ الْمُجَاهَدَة أَنْ يَكُونَ مُتَيَقِّظًا لِنَفْسِهِ فِي جَمِيع أَحْوَاله ، فَإِنَّهُ مَتَى غَفَلَ عَنْ ذَلِكَ اِسْتَهْوَاهُ شَيْطَانُهُ وَنَفْسُهُ إِلَى الْوُقُوعِ فِي الْمَنْهِيَّاتِ وَأضاعَ حقوقه ابتداءً ثمّ حقوق الآخرين .

وتبدأ مجاهدة النفس بالصَّبْر على الأَذَى ‏وذلك بحَبْسها عَنْ الْمُجَازَاة عَلَى الأَذَى قَوْلاً أَوْ فِعْلاً ، والتحلي بفضيلة الْحِلْم ‏رجاءَ الثواب الجزيل من الله تعالى في الدنيا والآخرة .

‏وقد حضَّ النبيّ محمدٌ صلى اللهُ عليهِ وسلّم على مجاهدةِ النفس ، وهذا واردٌ في صحيح مسلم بشرح النووي (( قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلا أَدُلّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّه بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَع بِهِ الدَّرَجَات ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُول اللَّه قَالَ : إِسْبَاغ الْوُضُوء عَلَى الْمَكَارِه وَكَثْرَة الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِد وَانْتِظَار الصَّلاة بَعْد الصَّلاة فَذَلِكُمْ الرِّبَاط ) . ‏

‏قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : ( مَحْو الْخَطَايَا ) كِنَايَة عَنْ غُفْرَانهَا ، قَالَ : وَيَحْتَمِل مَحَوْهَا مِنْ كِتَاب الْحَفَظَة وَيَكُون دَلِيلا عَلَى غُفْرَانهَا ، ( وَرَفْع الدَّرَجَات ) إِعْلاء الْمَنَازِل فِي الْجَنَّة ، وَإِسْبَاغ الْوُضُوء تَمَامه ، وَالْمَكَارِه تَكُون بِشِدَّةِ الْبَرْد وَأَلَمِ الْجِسْم وَنَحْو ذَلِكَ ، وَكَثْرَة الْخُطَا تَكُون بِبُعْدِ الدَّار وَكَثْرَة التَّكْرَار.

قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ : هَذَا فِي الْمُشْتَرِكَتَيْنِ مِنْ الصَّلَوَات فِي الْوَقْت وَأَمَّا غَيْرهمَا فَلَمْ يَكُنْ مِنْ عَمَل النَّاس . وَقَوْله : ( فَذَلِكُمْ الرِّبَاط ) أَيْ : الرِّبَاط الْمُرَغَّب فِيهِ ، وَأَصْل الرِّبَاط الْحَبْس عَلَى الشَّيْء كَأَنَّهُ حَبَسَ نَفْسه عَلَى هَذِهِ الطَّاعَة.

قِيلَ : وَيَحْتَمِل أَنَّهُ أَفْضَل الرِّبَاط كَمَا قِيلَ الْجِهَاد (‏ جِهَاد النَّفْس ) ، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ الرِّبَاط الْمُتَيَسِّر الْمُمْكِن أَيْ أَنَّهُ مِنْ أَنْوَاع الرِّبَاط . وفي هذا المعنى قَوْل اللهِ تَعَالَى ‏:‏ ‏{‏ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏}‏ ، وهذا الجهادُ مُرتبطٌ بتقوى الله تعالى ، وفي التقوى حِفْظٌ للحقوق .

إنسانية الجهاد الإسلامي
‏‏
أخرج الدارمي في السنن ما يؤكد إنسانية الجهاد الإسلامي في حديث شريف جاء فيه : ((‏ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِذَا أَمَّرَ رَجُلا ًعَلَى ‏ ‏سَرِيَّةٍ ‏ ‏أَوْصَاهُ: ‏إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى إِحْدَى ثَلاثِ خِلالٍ ‏ ‏أَوْ خِصَالٍ ‏؛ ‏فَأَيَّتُهُمْ مَا أَجَابُوكَ إِلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإسْلامِ فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏، ‏وَأَخْبِرْهُمْ إِنْ هُمْ فَعَلُوا أَنَّ لَهُمْ مَا‏ لِلْمُهَاجِرِينَ ‏، ‏وَأَنَّ عَلَيْهِمْ مَا عَلَى ‏ ‏الْمُهَاجِرِينَ ‏، ‏فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَيْسَ لَهُمْ فِي ‏الْفَيْءِ ‏وَالْغَنِيمَةِ نَصِيبٌ إِلاّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا أَنْ يَدْخُلُوا فِي الإِْسْلامِ ، فَسَلْهُمْ إِعْطَاءَ ‏الْجِزْيَةِ ‏ ‏فَإِنْ فَعَلُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ .

وَإِنْ حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَإِنْ أَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَبِيكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ ، فَإِنَّكُمْ إِنْ ‏ ‏تُخْفِرُوا ‏بِذِمَّتِكُمْ وَذِمَّةِ آبَائِكُمْ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ مِنْ أَنْ ‏ ‏تُخْفِرُوا ‏ ‏ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ.

وَإِنْ حَاصَرْتَ حِصْنًا فَأَرَادُوكَ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لا ، ثُمَّ اقْضِ فِيهِمْ بِمَا شِئْتَ ‏ )) .

القانون الشرعي الإسلامي يحمي حقوق الإنسان

لقد نصَّت الشريعة الإسلامية على أنّ الظلمَ هُوَ جوهرُ الجريمةِ الفردية والجرائمِ الجماعية ، وأشير في القرآن الكريم إلى الجرائم التي ترتكبها الدول بحق شعوبها أو الشعوب الأخرى ، والإشارات كثيرة إلى الظالمين الذين اضطهدوا الأقليات المؤمنة ، وعرّضوا أبناءها للسبي والإغتصاب والإسترقاق ، وقد أقرت الشريعةُ الجهاد في سبيل الله لإحقاق الحقوق ودفعاً للعدوان ، والدليل من القرآن الكريم هو الآيات التالية ؛ قال تعالى { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190 ) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191 ) فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 192 ) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاّ عَلَى الظَّالِمِينَ ( 193 ) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( 194 ) وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 195 ) } .

إن الناظر في هذه الآيات الكريمة يجدُ أن الغاية من الجهاد هي حفظ الحقوق منعاً للفتنة ، والرد على العدوان بمثله لا بأكثر منه مع مراعاة تقوى الله تعالى ، هذا بالنسبة إلى حقوق الجماعة ، أما حقوق الفرد ففي الآية 195 التي تتضمن الأمرَ بعدم التعرُّض للهلاك حفاظاً على حقِّ الفرد نحوَ نفسه .

ولم يأت الأمر بالقتال اعتباطاً وإنما لحفظ الحقوق الشخصية والدينية، ومَنْعِ الظّلم ، وإحقاقِ حقِّ الْمُواطَنةِ ، وسيادة الأمر بالمعروف والنهي عن الْمُنكر ، وهذا ما عُبِّرَ عنه بالمُدافعة ضدَّّ الخيانة والعدوان { إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ( 38) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ( 39 ) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 40 ) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ( 41) } .

وهنا يبرزُ مقصدٌ مهمٌّ ألا وهو الأمرُ بالمعروف والنهي عن المُنكَر ، وفي هذا الأمرِ والنهي ضمانُ الحقوقِ الربانية والإنسانية بشكلٍ عام ، وتضمّن القرآن الكريمُ آياتٍ تنهى عن الظلم ، وتبين أن الظلمَ وخيمُ العاقبةِ ويستوجب هلاك الظالمين جزاءَ ما ظَلَموا واعتدوا على الناس ، ومن الأمثلة الغابرةِ هلاكُ الفراعنةِ المصريين ، ومن الأمثلة المعاصرة هلاك الإتحاد السوفياتي السابق أعتى جبابرة القرن العشرين ، وفي القديم لم يسلم الأنبياءُ والرسلُ من شرور الظالمين إذ كذَّبوا الرسلَ وألحقوا بهم الأذى ظلماً وعُدواناً ، ومازال الطغاةُ الظالمون يؤذون الدّّعاةَ ، ويتهمونهم بالرجعية والتخلّف والإرهاب ، وعدوان الظالمين القدماء واضحٌ في قوله تعالى : { وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ ( 42 ) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ ( 43 ) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ( 44 ) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ( 45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَْرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ( 46 ) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ( 47) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ ( 48 ) } .

إنّ الجهاد في سبيل الله ، وقتالَ الظالمين هو إنقاذٌ لحقوق الشعوب التي تسلّطَ عليها الظّلَمَةُ ، وَوَجْهُ الإنقاذ هو أنّ ردْعَ الظالمين يجلِبُ رضى الله تعالى ، ويدفع أسبابَ هلاك الناس . وقد قصَّ القرآن الكريمُ قصصّ الصالحين ومن اتّبعهم من المؤمنين، وكيف ينصر الله تعالى دينه ويخذل العاصين المعتدين إذ يقول الله تعالى :

{ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ( 58 ) .

فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ( 66 ) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ( 67 ) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ ( 68 ) }

أماّ الظلم الإقتصادي الناشئ عن الغشّ والإستغلال فحريٌّ أن تنعكسَ آثاره السلبية على دهاقنتة الذين يعتدون على حقوق الإنسان الإقتصادية ، وهم جديرون بمثل ما حلّ بأهل مدين الذين ذكروا في القرآن : { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84 ) .

وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتْ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ( 94 ) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ( 95) }

ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ ( 100 ) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ( 101 ) وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ( 102 ) } .

وقد عبر القرآن الكريم عن الدول بلفظ القرى ، وهذا واضح في قوله تعالى : { وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ (13 ) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ( 14) .
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ( 22) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ( 23 ) } .

الغاية من الجهاد حفظ الحقوق وصدّ العدوان

إن الشريعة الإسلامية لم تأذنْ بالجهاد من أجل العدوان وإنما لمنعِ العدوان المتمثّل بالفتنة ، وهذا واضحٌ في قوله تعالى :

{ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) .

بينت الشريعة الإسلامية أن العقابَ يعمُّ الظالمين والساكتين عن الظالمين أيضًا لذلك لايجوز السكوت على الظالمين لأنّ في ذلك تشجيع للفتنة ، وهذا مُسْتَخْلَصٌ من قوله تعالى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) } .

و لا تجوز طاعة الظالم أو تجاهل ظلمه ، لأن التجاهل يكرس الظلم ، وذلك منهي عنه شرعاً في قوله تعالى : { يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (2) .

وأسوةُ الناس هو رسولُ الله الذي جاهد ضد الطغيان وجاهد لتكون كلمةُ الله هي العليا لأن بذلك إحقاقَ الحقوق وخلاص البشرية من الاضطهاد والتعطيل لحدود الله تعالى :

لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) .

يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47) وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا (48) } .

وأقرت الشريعة التصدي للبغاة ، ومنع البغي ولو تطلب ذلك الجهاد باللسان والسنان ، وذلك واضح في قوله تعالى: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9)
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) .
يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) .

خاتمة

إنّ الخطابَ الإسلاميَّ قدِ امتازَ بالوضوحِ في الماضي ، وشابَهُ الغموضُ في زمانِنا الْمُعاصرِ ، ومردُّ ذلكَ الوضوحِ في الماضي - حسبما أراهُ - هو وجودُ مرجعيّةٍ إسلاميّةٍ بدأت بالنُّبُوّةِ ، ثُمَّ مثّلتها الخلافة الإسلاميّةُ التي شكّلتْ مركزاً أساسياًّ استقطبَ عُلماءَ الْمُسلمين الذين أنجزوا هذا التُّراثَ الإسلاميَّ الإنسانيَّ الذي أدّى دوراً حضارياًّ عالمياًّ يعترفُ به الْمُنصفون ، ويُنكرُهُ أعداءُ الإسلامِ وحُسّادُ الْمُسلمين ،والناظرُ الْمُنصفُ في هذا التُّراثِ الإسلاميِّ يجدُ فيه فكراً يقودُ الإنسانيّةَ نحوَ التعمير ، ويُجَنِّبُها التدمير ، وذلك بتقديم حلولٍ لما يعترضُ طُرُقَ تقدُّمِ البشريّةِ وتَطَوُّرِها على أساس العدلِ والْمُساواةِ والشُّورى ؛ وهذا ما أعطى النظامَ الإسلاميَّ – عبرَ التاريخ – شكلاً مكوّناً من قاعدةٍ شعبيّةٍ راضيَةٍ بالأحكامِ الراميةِ إلى تحقيقِ مقاصد الشريعة ، وقيادةٍ يدفَعُها الإيمانُ إلى حفظِ مقاصدِ الشريعةِ التي تُحقّقُ الْحُقوقَ والواجباتِ للراعي والرّعيّةِ ، وبذلك يحولُ القانونُ الشّرعيُّ الإسلاميّ دون تكريس حُكمِ وتسلُّطِ الفردِ الْمُستبِدِّ لأنَّ الشريعةَ مُنزّهةٌ عنِ الظُّلم ؛ والقانونُ الشرعيُّ الإسلاميّ غيرُ خاضعٍ للنّزواتِ والأهواء وهذا هو المطلوب لحفظ الحقوق ومنع الظلم والإرهاب .

إنّ مَنْ يستعرض الأحكام الشرعية الإسلاميَّةَ في عُهود الخلافة الإسلامية يلاحظُ تَمكُّنَ العلماءِ المسلمين من فَهمِ ماتتضمَّنُهُ النُّصوصُ الشرعيةُ من أحكامٍ يصْعُبُ استنباطُها على مَنْ جَهِلَ أسرارَ اللغةِ العربيةِ التي أُنزلَ بِها كلامُ اللهِ ، ولعلّ ماتمتّع به القدماء مَنْ معرفةٍ لُغويّةٍ قد مكَّنَهم من تقديم خطابٍ إسلاميٍّ عالميٍّ واضحٍ عجزَ عن تقديمِ مثيلٍ له الجاهلون في العصر الحديث ، فدعَوا إلى الخلط بين المقدَّسِ وغير المقدَّس ، وما اصطلحوا عليه بالحداثة وما بعد الحداثة هرباً من الشريعة التي تحمي الحقوق التي هدرها العلمانيون والمرتدون والملحدون وأصحاب البدع والضلال .

إنّني أرى أنّ سببَ تشويه صورة الشريعة الإسلاميّة في عالمنا المُعاصر يكمُنُ في عجزِ الْمُعاصرين عن استيعابِ الحكمةِ التي تتضمّنُها النُّصوصُ الإسلاميّةُ المُقدّسةُ، وعدمُ الإستيعابِ يُفوّتُ فُرَصَ الإستفادةِ منَ التُّراثِ ، فتخسرُ الشرية بعدم توظيفِه أنجع الطُّرُقِ لإحقاقِ حقوق الإنسانِ المُعاصرِ ، ولعلَّ انعدامَ اللُّغةِ الوسيطةِ بين لُغةِ الأمسِ العاليةِ المُستوى ، ولُغةِ الْمُستعربين والعربِ المُعاصِرةِ المُحاصَرَةِ منَ الأعداءِ الخارجيين ، ومنَ العُملاءِ الداخليين ، هو السببُ في ضياعِ اللغةِ الوسيطةِ التي تُمكّنُنا منَ الإستفادةِ من الفكر الإسلامي، وتحرمُنا من توليد مصطلحاتٍ شرعيّةٍ لاتُعارضُ أصولَ الفقه الإسلامي ، وتلوثُ الفكرَ الْمُعاصرَ بِمُصطلحاتٍ مُشوِّهةٍ صيغتْ في مُختبراتِ الْمُخابراتِ الْمُعادية للإسلام والْمُسلمين ، والأمثلةُ على ذلك كثيرةٌ كما هو الحال في مسخِ مُصطلحِ الأصوليةِ الإسلامية الراقيةِ بإسقاطِ معنى الأصوليةِ اليهودية والصليبيةِ عليها ، وإسقاطِ معنى الإرهاب على الجهاد الإسلامي الذي يضمن حمايةَ الإنسان من الإرهاب .

إنَّ ولادةَ المصطلحِ الإسلاميّ الشرعيّ سوف تُنقذُ المسلمين منَ المُصطلحات الدخيلةِ الْمُترجمةِ التي يلتقطُها التغريبيون ويُقدّمونها كشرٍّ لابُدَّ منه في ظلّ القطيعة التي تفصلُ بين ماضينا المُشرقِ وحاضرِنا المُتطفِّلِ على ما يُنتجُهُ غيرُ المسلمين ممّا أدّى إلى تخريب جسور التواصُلِ الحضاريّ بين التراث الإسلاميّ الشرعيّ وبين الواقعِ الغريبِ الذي يرزحُ تحت سيطرته أبناءُ المسلمين وغيرهم في العالم المعاصر، الذي أضاع حقوقَ الإنسان والحيوان والنبات ، وقَوْلَبَ الحقوقَ بقوالب المناظيرِ السياسةِ التي أصبحت مطيّة للإقتصادِ والتجارةِ التي تتعاملُ مع الإنسانِ كسلعة تجاريةٍ تَخضع لميزان العرضِ والطلبِ وتحقيقِ الأرباح بجشعٍ يُضيعُ إنسانية الإنسان، ويلوث الطبيعة ويخرب الأرضَ عوضاً عن إعمارها .
ولذا فإنني أرى أنّ طريقَ الخلاص هو وصلُ حاضرنا الماديّ بماضينا الروحيّ ، وتقديمُ حلولٍ شرعيّةٍ إسلاميّةٍ واضحةٍ ،تُحقُّ الحقوقَ ، ويفهمُها السوادُ الأعظمُ من المسلمين وغيرهم ، وتُعزِّزُها لغةٌ أصيلةٌ واضحةٌ خاليةٌ من الْمُعمّياتِ ، وساميةٌ على السُّوقيّة . فإذا ما تمَّ تقديمُ حلولٍ حقوقيةٍ إسلاميّةٍ أصيلةٍ ، فإننا سَنَقِفُ على بدايةِ طريقٍ تُؤدي إلى تحويلِ الحقوقِ الإنسانيةِ من حيّز القوالبِ النظريةِ التجارية الجاهزة إلى حيّزِ التطبيقِ المُعاش من قِبَلِ الناسِ الذين أُنزلتِ الشريعةُ لتحقيقِ حقوقهم وسعادتِهم في الدّنيا والآخرة بعيداً عن منطقِ الوصايةِ الذي تُمارسُهُ النُّخبُ الْمُتسلطةُ بكافّةِ أنواعِها لأنّ إسعادَ الأُمّةِ هو موضوعُ الحُكمِ والسلطةِ في الإسلام ، والمُنطَلقُ إلى تحقيقِ ذلكَ هو العدلُ والمساواةُ والرحمةُ للناسِ؛ وبالناسِ كافّة دون مُحاباة أو استغلال ، وبما أنّ إسعادَ الأمّة هو الهدفُ ، فلا مجال لقبولِ استغلالِ الأمّةِ من قِبلِ النُّخبِ التي تُمارس الوصايةَ بطُرُقٍ فوقيّةٍ تُؤدي إلى أقبح أنواع الإستغلال والإستعباد الذي يؤدي إلى مُصادرةِ الحريةِ التي اشترطَها الإسلامُ لاستكمالِ الأهلية للنُّهوضِ بالتكاليفِ الشرعيةِ التي تُؤدي إلى سعادة البشريةِ بإحقاق الحقوق وردع الباطل .

إنَّ الساحةَ الإسلاميةَ بحاجةِ إلى جهادِ العُلماء بشكلٍ قادرٍ على صدِّ هجمات أعداء الإسلام الذين يتسترون بشعارات العلمانيّة والتقدُّميةِ والحداثة والثوريةِ والبحث العلميّ والبحثِ العقلاني ، ويتّحدُ جميعُ هؤلاء تحت جامعٍ مُشترَكٍ واحدٍ هو بناءُ ما ليس بإسلاميّ على أنقاض الحضارة الإسلامية .

لابدَّ لنا في النهايةِ من تقسيم الباحثين في شؤون الفكر الإنساني إلى فريقين أساسيين ومُختلِفينِ على مايُؤمنانِ بهِ ظاهراً وباطناً ، والمقصود بالفريقين: الفريقُ المسلم ، والفريقُ غير مسلم ، ويضمُّ كلُّ فريقٍ منهما أتباعاً وشيعاً وأحزاباً يُمثِّلُ بعضُها جوهرَ الفريقِ الذي ينتسب إليه ، ويُبرهنُ على صدق الإنتماءِ بتطبيق الشعائرِ التي يُبنى عليها إيمانُ الفريقِ المُختارِ، وباقي البشرِ تَبَعٌ لأحدِ الفريقين ، وَلَئِنِ ادّعى مُدَّعٍ الحيادَ ؛ فلاشكَّ أنّنا نحكمُ على بُطلانِ دعواه وسببُ الحكم هو عدمُ وجُودِ منزلةٍ حياديةٍ بين الإيمانِ بالإسلام وعدم الإيمان به .
1ً - فالْمُسلمُ هو الذي يؤمنُ باللهِ وملائكته وكتُبِهِ ورُسلِه ، والقضاءِ والقدرِ ، وأنّ البعثَ حقٌّ ، ويقرُنُ هذا الإيمانَ بأداءِ الواجباتِ من عباداتٍ ومعاملات حسب ماتُقرّرُه الشريعةُ الإسلامية دون نُقصان ، أما مَنْ يدّعي الإسلامَ بلسانه ولايقرنُ قولَه بالعمل ، وإنّما يتشبَّثُ بالبدع ، ويلهثُ وراء الأهواء فهو أقربُ إلى غير المسلمين ، ولافائدة تُرتجى للإسلام مِمّا يطرحُهُ من أراء بُلحقُ بالمسلمين الأذى ، وتنفعُ غيرَ المسلمين .
2ً - الفريق غير المسلم ، ويضمُّ أهلَ الكتابِ من اليهود والنصارى ، وأَتْباعَ النِّحَل والأهواء والوثنيين والملحدين ، والجامعُ المشتركُ بين هؤلاء جميعاً هو عدَمُ الإيمان بنُبُوّةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، وبما أُنزلَ عليهِ من كلام الله المحفوظ بين دَفّتي القرآن الكريم ، وموقفُ هؤلاء مبنيٌّ على عدمِ الإعترافِ برسالةِ النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم ، ولو أنّهم اعترفوا بها لأسلموا وزال سببُ الصراع التناحريّ الذي يُهدِّدُ الإسلام والْمُسلمين ، ولَتَوقفَ أعداءُ الإسلام عن اختراعِ أسلِحَتِهم المادِيّة والمعنويّة التي بدأت صناعتها منذُ فَجْرِ الرسالةِ الإسلاميّة وحتى عصرنا الحاضر، حيث مازلنا نرى علائمَ العدوان على الإسلام واضحةً ، تارةً بتُهمةِ تخلُّفِ العقلِ العربي ، وتارةً بتخلُّفِ الخطابِ الإسلامي ، وتارةً بعجز اللغة العربية وتارة بعدم قدسية النص ، وتارة بوصف الجهاد بصفة الإرهاب إلى آخر ماهنالك منَ الإفتراءآت التي افتراها أعداءُ الإسلام ، وردّدَها ضعافُ النُّفوسِ وضعافُ الإيمان والجاهلون المبهورون بهرطقات الأعداء وافتراءآتهم ، والكسالى الذين لمْ يُكلِّفوا أنفُسَهم عناءَ البحثِ عن لُغةٍ سلِسةٍ تُساعدُنا على وصلِ حاضرِنا المُتخلِّفِ بماضينا الْمُشرقِ المُتقدم.


وفي الختام : أقترح أن ترعى إحدى الجهات الفعالة مؤتمراً تحت عنوان : الجهاد وحقوق الإنسان ، بعدما تمت رعاية الكثير من المؤتمرات والندوات حول : الإرهاب وحقوق الإنسان . وصلى الله على محمد وعلى لآله وصحبه وسلم .
[/align]
__________________

الدكتور محمود السيد الدغيم
جرجناز - معرة النعمان - إدلب - سوريا
باحث أكاديمي في جامعة لندن
Dr. Mahmoud EL-Saied EL- Doghim
Jarjanaz - Syria
The School of Oriental and African Studies
SOAS : University of LONDON


http://www.dr-mahmoud.com
رد مع اقتباس
 

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302 303 304 305 306 307 308 309 310 311 312 313 314 315 316 317 318 319 320 321 322 323 324 325 326 327 328 329 330 331 332 333 334 335 336 337 338 339 340 341 342 343 344 345 346 347 348 349 350 351 352 353 354 355 356 357 358 359 360 361 362 363 364 365 366 367 368 369 370 371 372 373 374 375 376 377 378 379 380 381 382 383 384 385 386