http://www.twitethkar.com/ مجالس الساهر - عرض مشاركة واحدة - سَلامة الصَّدر منَ الأحقاد !!

عرض مشاركة واحدة
  #1 (permalink)  
قديم 18-05-2004, 11:55
الصورة الرمزية مبارك
مبارك مبارك غير متواجد حالياً
كاتب الساهر
 
تاريخ التسجيل: 23-10-2000
الدولة: الكويت
المشاركات: 552
معدل تقييم المستوى: 1456
مبارك مرحبا  بك في صفوف المتميزينمبارك مرحبا  بك في صفوف المتميزينمبارك مرحبا  بك في صفوف المتميزينمبارك مرحبا  بك في صفوف المتميزينمبارك مرحبا  بك في صفوف المتميزينمبارك مرحبا  بك في صفوف المتميزينمبارك مرحبا  بك في صفوف المتميزينمبارك مرحبا  بك في صفوف المتميزينمبارك مرحبا  بك في صفوف المتميزينمبارك مرحبا  بك في صفوف المتميزينمبارك مرحبا  بك في صفوف المتميزين
يحليله سَلامة الصَّدر منَ الأحقاد !!

[align=justify]ليس أروح للمرء ، ولا أطرد لهمومه ، ولا أقر لعينه من أن يعيش سليم القلب ، مبرأً من وساوس الضغينة ، وثوران الأحقاد ، إذا رأى نعمة تنساق إلى أحد رضي بها، وأحس فضل الله فيها ، وفقر عباده إليها، وذكر قول رسول الله : (( اللهم ما أصبح بي من نعم أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك ، فلك الحمد ولك الشكر )) ، وإذا رأى أذى يلحق أحداً من خلق الله رثى له ، ورجا الله أن يفرج كربه ويغفر ذنبه، وذكر مناشدة الرسول ربه:

وأّيُّ عبدٍ لك ما أَلمّا

إن تغفر اللَّهُمَّ تغفِرْ جَمَّا




وبذلك يحيا المسلم ناصعَ الصفحة ، راضياً عن الله وعن الحياة ، مستريحَ النفس من نزعات الحقد الأعمى ، فإن فساد القلب بالضغائن داء عياء، وما أسرع أن يتسرب الإيمان من القلب المغشوش ، كما يتسرب السائل من الإناء المثلوم !.

ونظرة الإسلام إلى القلب خطيرة ، فالقلب الأسود يفسد الأعمال الصالحة ويطمس بهجتها ويعكر صفوها.

أما القلب المشرق فإن الله يبارك في قليلة. وهو إليه بكل خير أسرع: عن عبد الله بن عمرو: ((قيل : يا رسـول الله ، أي الناس أفضل ؟ قال: كل مخموم القلب صدوق اللسان قال: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب ؟قال : هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي ، لا غل ولا حسد!)).

ومِنْ ثمَّ كانت الجماعة المسلمة حقاً ، هي التي تقوم على عواطف الحب المشترك ، والود الشائع، والتعاون المتبادل ، والمجاملة الرقيقة ، لا مكان فيها للفردية المتسلطة الكنود ، بل هي كما وصف القرآن : { وَالَّذيِنَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُوِنَ: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الذينَ سَبَقُونَا بالإِيمانِ، وَلاَ تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلاَّ لِلَّذينَ آمَنُوا، رَبَّنَا إنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ}.

إن الخصومة إذا نمت وغارت جذورها، وتفرعت أشواكها، شَلَّتْ زهرات الإيمان الغض، وَاَذْوَتْ ما يوحي به من حنان وسلام.

وعندئذ لا يكون في أداء العبادات المفروضة خير ، ولا تستفيد النفس منها عصمة.

وكثيراً ما تطيش الخصومة بألباب ذويها، فتتدلى بهم إلى اقتراف الصغائر المسقطة للمروءة ، والكبائر الموجبة للَّعنة، وعين السخط تنظر من زاوية داكنة ، فهي تعمى عن الفضائل ، وتضخِّم الرذائل ، وقد يذهب بها الحقد إلى التخيل وافتراض الأكاذيب ، وذلك كله مما يسخطه الإسلام ويحاذر وقوعه ويرى منعه أفضل القربات.

قال رسول الله : (( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟ قالوا: بلى !قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هو الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين!)).

ربما عجز الشيطان أن يجعل من الرجل العاقل عابد صنم ، ولكنه – وهو الحريص على إغواء الإنسان وإيراده المهالك – لن يعجز عن المباعدة بينه وبين ربه، حتى يجهل حقوقه أشد مما يجهلها الوثني المخرِّف ، وهو يحتال لذلك بإيقاد نيران العداوة في القلوب، فإذا اشتعلت استمتع الشيطان برؤيتها وهي تحرق حاضر الناس ومستقبلهم، وتلتهم علائقهم وفضائلهم:

قال رسول الله : (( إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ، ولكنه لم ييأس من التحريش بينهم)).

ذلك أن الشر إذا تمكن من الأفئدة فتنافر ودُّها، وانكسرت زجاجتها، ارتد الناس إلى حال من القسوة والعناد، يقطعون فيها ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض.

***

وقد تيقظ الإسلام لبوادر الجفاء ، فَلاَحَقَها بالعلاج ، قبل أن تستفحل وتستحيل إلى عداوة فاجرة ، والمعروف أن البشر متفاوتون في أمزجتهم وأفهامهم، وأن التقاءهم في ميادين الحياة قد يتولد عنه ضيق وانحراف إن لم يكن صدام وتباعد . ولذلك شرع الإسلام من المبادئ ما يرد عن المسلمين عوداي الانقسام والفتنة ، وما يمسك قلوبهم على مشاعر الولاء والمودة ، فنهى عن التقاطع والتدابر.

نعم قد يحدث أن تشعر بإساءة موجهة إليك، فتحزن لها وتضيق بها، وتعزم على قطع صاحبها.

ولكن الله لا يرضى أن تنتهي الصلة بين مسلم ومسلم إلى هذا المصير.

قال النبي : (( لا تَقاَطَعُوا ولا تَدَابَرُوا، ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ، وكونوا عباد الله إخواناً ، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث)).

وفي رواية: (( لا يحق لمؤمن أن يهجر مؤمناً فوق ثلاث. فإن مرت به ثلاث فَلْيَلْقَهُ فليسلم عليه. فإن رد عليه السلام فقد اشتركا في الأجر . وإن لم يرد عليه فقد باء بالإِثم، وخرج المسلِّم من الهجرة )) وهذا التوقيت فترة تهدأ فيها الحدِّة وينفثئ الغضب. ثم يكون لزاماً على المسلم بعده أن يواصل إخوانه، وأن يعود معهم سيرته الأولى. كأن القطيعة غيمة، ما إن تجمعت حتى هبت عليها الريح فبددتها، وصفا الأفق بعد عبوس .

والإنسان في كل نزاع ينشب، أحد رجلين: إما أن يكون ظالماً ، وإما أن يكون مظلوماً . فإن كان عادياً على غيره. ناقصاً لحقه. فينبغي أن يُقلعَ عن غيه وأن يُصْلحَ سيرته . وليعلم أنه لن يستل الضغن من قلب خصمه، إلا إذا عاد عليه بما يطمئنه ويرضيه. وقد أمر الإسلام المرء- والحالة هذه – أن يستصلح صاحبه ويطيب خاطره.

قال رسول الله : (( من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض أو من شيء فليتحلله منه اليوم ، من قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته ، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه )) .

ذلك نصح الإسلام لمن عليه الحق . أما من له الحق فقد رغب إليه أن يلين ويسمح ، وأن يمسح أخطاء الأمس بقبول المعذرة ، عندما يجيء له أخوه معتذراً ومستغفراً ، ورفض الاعتذار خطأ كبير .

وفي الحديث : (( من اعتذر إلى أخيه المسلم فلم يقبل منه كان عليه مثل خطيئة صاحب مكس))

وفي رواية : (( من تُنُصِّل إليه فلم يقبل ، لم يرد على الحوض ))

وبهذا الإرشاد المبين للطرفين جميعاً يحارب الإسلام الأحقاد ، ويقتل جرثومتها في المهد ، ويرتقي بالمجتمع المؤمن إلى مستوى رفيع ، من الصداقات المتبادلة ، أو المعاملات العادلة .

وقد اعتبر الإسلام من دلائل الصغار وخسة الطبيعة ، أن يرسب الغل في أعماق النفس فلا يخرج منها ، بل يظل يموج في جوانبها كما يموج لبركان المكتوم .

وكثير من أولئك الذين يحتبس الغل في أفئدتهم ، يتلمسون متنفساً له في وجوه من يقع معهم ، فلا يستريحون إلا إذا أرغوا وأزبدوا ، وآذوا وأفسدوا : روي عن ابن عباس أن رسول الله قال : (( ألا أنبئكم بشراركم ؟
قالوا : بلى ، إن شئت يا رسول الله. قال : إن شراركم الذي ينزل وحده ، ويجلد عبده ، ويمنع رفده ، أفلا أنبئكم بشر من ذلك ؟ قالوا : بلى ، إن شئت يا رسول الله ، قال : من يبغض الناس ويبغضونه ، قال : أفلا أنبئكم بشر من ذلك ؟ قالوا : بلى ، إن شئت يا رسول الله ، قال : الذين لا يقبلون عثرة ، ولا يقبلون معذرة ، ولا يغفرون ذنباً . قال : أفلا أنبئكم بشر من ذلك ؟ قالوا : بلى ، يا رسول الله ، قال: من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره ))

والأصناف التي أحصاها هذا الحديث أمثلة لأطوار الحقد عندما تتضاعف علته وتفتضح سوأته ، ولاغرو ، فمن قديم أحس الناس ، حتى في جاهليتهم ، أن الحقد صفة الطبقات الدنيا من الخلق وأن ذوي المروءات يتنزهون عنه قال عنترة :

ولا ينالُ العلا من طبعهُ الغضبُ

ولا يحملُ الحقدَ من تَعْلو به الرُّتَبُ




***

وهناك رذائل رهب الإسلام منها ، وليس يفوت النظر القريب أن تعرف مصدرها الدفين .

إنها على اختلاف مظاهرها ، تعود إلى علة واحدة هي الحقد .

فالافتراء على الأبرياء جريمة ، يدفع إليها الكره الشديد . ولما كان أثرها شديداً في تشويه الحقائق ، وجرح المستورين ، عدها الإسلام من أقبح الزور .

روت عائشة أن رسول الله قال لأصحابه : (( أتدرون أربى الربا عند الله ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : فإن أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم ، ثم قرأ رسول الله : ( والذين يؤذونَ المؤْمِنِينَ والمؤْمِنَاتِ بِغَيْر ما اكتسَبُوا فَقَد احتَمَلُوا بُهْتَاناً وإثماً مُبِيناً ))

ولا شك أن تلمس العيوب للناس ، وإلصاقهم بهم عن تعمد يدل على خبث ودناءة ، وقد رتب الإسلام عقوباتٍ عاجلة لبعض جرائم الافتراء . وما يبيت في الآخرة لصنوف الافتراء أشد وأنكى .

قال رسول الله : (( من ذكر امرأ بشيء ليس فيه ، ليعيبه به ، حبسه الله في نار جهنم حتى يأتي بنفاد ما قال فيه )).

وفي رواية : (( أيما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة ، وهو منها بريء ، يشينه بها في الدنيا ، كان حقاً على الله أن يذيبه يوم القيامة في النار ، حتى يأتي بنفاد ما قال )) .

وما دام الذي قاله بهتاناً ، فكيف يستطيع أن يثبت عند اله باطلاً ؟ وكيف يتنصل من تبعته ؟ .

إن سلامة الصدر تفرض على المؤمن أن يتمنى الخير للناس ، إن عجز عن سوقه إليهم بيده .

أما الذي لا يجد بالناس شراً فينتحله لهم انتحالاً ، ويزوره عليهم تزويراً فهو أفاك صفيق .

قال الله عزل وجل : (( إنَّ الَّذِينَ يُحبُّونَ أن تَشيعَ الفاحشَةُ في الَّذين آمَنُوا لهمْ عَذابٌ أليمٌ في الدُّنيا والآخرةِ، واللهُ يَعلمُ وأنتمْ لا تعلمونَ ))

ومن فضل الله على العباد أنه استحب ستر عيوب الخلق ، ولو صدق اتصافهم بها . وما يجوز لمسلم أن يتشفى بالتشنيع على مسلم ولو ذكره بما فيه ، فصاحب الصدر السليم يأسى لآلام العباد ، ويشتهي لهم العافية . أما التلهي بسرد الفضائح ، وكشف الستور ، وإبداء العورات ، فليس مسلك المسلم الحق .

ومن ثمَّ حرَّم الإسلام الغيبة ، إذ هي متنفس حقدٍ مكظومٍ ، وصدرٍ فقيرٍ إلى الرحمة والصفاء .

عن أبي هريرة أن رسول الله قال : (( أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ! قال : ذكرك أخاك بما يكره . قيل : أرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتَّه ))

ومن آداب الإسلام التي شرعها لحفظ المودات ، واتقاء الفرقة ، تحريم النميمة ، لأنها ذريعة إلى تكدير الصفو وتغيير القلوب .

وقد كان النبي ينهى أن يبلغ عن أصحابه ما يسوؤه ، قال : (( لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئاً ، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر )).

وعلى من سمع شيئاً من ذلك ألا يوسع الخرق على الراقع. فرُبَّ كلمة شرٍ تموت مكانها لو تركت حيث قيلت! ورُبَّ كلمة شر سعرت الحروب ، لأن غِرّا نقلها ونفخ فيها ، فأصبحت شرارة تنتقل بالويلات والخطوب .

قال رسول الله : (( لا يدخل الجنة نَمّام ))، وفي رواية (( قَتَّات )).

قال العلماء : هما بمعنى واحد . وقيل : النَمَّام : الذي يكون مع جماعة يتحدثون فينقل عنهم . والقتّات : الذي يستمع عليهم من حيث لا يشعرون ثم يَنُم .

وروي في الحديث : (( إن النميمة والحقد في النار ، لا يجتمعان في قلب مسلم )).

ومن لوازم الحقد سوء الظن ، وتتبع العورات ، واللمز ، وتعيير الناس بعاهاتهم ، أو خصائصهم البدنية والنفسية

وقد كره الإسلام ذلك كله كراهية شديدة .

قال رسول الله : (( من علم من أخيه سيئة فسترها ، ستر الله عليه يوم القيامة )).

وقال : (( من ستر على مؤمن عورة فكأنما أحيا موؤدة )) .

وكثيراً ما يكون متتبعو العورات لفضحها أشد إجراماً ، وأبعد عن الله قلوباً من أصحاب السيئات المنكشفة . فإن التربص بالجريمة لشهرها ، أقبح من وقوع الجريمة نفسها .

وشتان بين شعورين : شعور الغيرة على حرمات الله والرغبة في حمايتها ، وشعور البغضاء لعباد الله والرغبة في إذلالهم .

إن الشعور الأول قد يصل في صاحبه إلى القمة ، ومع ذلك فهو أبعد ما يكون عن التشفي من الخلق ، وانتظار عثراتهم ، والشماتة في آلامهم .

***

وسلامة الصدر فضيلة تجعل المسلم لا يربط بين حظه من الحياة ومشاعره مع الناس ، ذلك أنه ربما فشل حيث نجح غيره ، وربما تخلف حيث سبق آخرون .

فمن الغباء أو من الوضاعة أن تلتوي الأثرة بالمرء فتجعله يتمنى الخسارة لكل إنسان، لا لشيء ، إلا لأنه هو لم يربح ‍‍.

ثم إن المسلم يجب أن يكون أوسع فكرة ، وأكرم عاطفة ، فينظر إلى الأمور من خلال الصالح العام ، لا من خلال شهواته الخاصة .

وجمهور الحاقدين ، تغلي مراجل الحقد في أنفسهم ، لأنهم ينظرون إلى الدنيا فيجدون ما يتمنونه لأنفسهم قد
فاتهم ، وامتلأت به أكف أخرى .

وهذه هي الطامة التي لا تدع لهم قراراً ‍‍.

وقديماً رأى إبليس أن الخطوة التي يتشهاها قد ذهبت إلى آدم ، فآلى ألا يترك أحداً ، يستمتع بها بعد ما حُرِمها.

(( قال : فبمَا أغويتني لأقعدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيمَ * ثم لآتينهمْ من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ، ولا نجد أكثرهم شاكرين ))

هذا الغليان الشيطاني هو الذي يضطرم في نفوس الحاقدين ويفسد قلوبهم . وقد أهاب الإسلام بالناس أن يبتعدوا عن هذا المنكر ، وأن يسلكوا في الحياة نهجاً أرقى وأهدأ .

عن أنس بن مالك قال : (( كنا جلوساً عن النبي فقال : (( يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة )) فطلع رجل من الأنصار ، تنطف لحيته من وضوئه ، قد علق نعليه بيده الشمال . فلما كان الغد قال النبي مثل ذلك فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى ، فلما كان اليوم الثالث قال النبي مثل مقالته أيضاً ، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى . فلما قام النبي ، تبعه عبد الله بن عمرو ـ تبع الرجل ـ فقال : إني لاحيت أبي ، فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثاً . فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت ‍ قال : نعم .

قال أنس : فكان عبد الله يحدث أن بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئاً ، غير أنه إذا تعار ـ تقلب في فراشه ـ ذكر الله عز وجل حتى ينهض لصلاة الفجر . قال عبد الله : غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً

فلما مضت الليالي الثلاث وكدت أحتقر عمله : قلت : يا عبد الله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة. ولكني سمعت رسول الله يقول لك ـ ثلاث مرات ـ : يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة ، فطلعت أنت الثلاث مرات فأردت أن آوي إليك ، فأنظر ما عملك فأقتدي بك ، فلم أرك عملت كبير عمل ‍‍ فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ؟ قال : ما هو إلا ما رأيت .

قال عبد الله : فلما وليت دعاني فقال : ما هو إلا ما رأيت ، غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه . فقال عبد الله : هذه التي بلغت بك ‍‍ ).

وفي رواية : ما هو إلا ما رأيت يا ابن أخي ، إلا أني لم أبت ضاغناً على مسلم .

وقد حرم الإسلام الحسد ، وأمر الله رسوله أن يستعيذ من شرور الحاسدين لأن الحسد جمرة تتقد في الصدر فتؤذي صاحبها وتؤذي الناس به .

والشخص الذي يتمنى زوال النعم آفة تحذر غوائلها على المجتمع ، ولا يُطمأن إلى ضميره في عمل .

وقد قال رسول اله : (( لا يجتمع في جوف عبد غبار في سبيل الله وفيح جهنم . ولا يجتمع في جوف عبد ، الإيمان والحسد )).

وقال : (( إياكم والحسد ، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب )).

والرجل الذي يكره المنعم عليهم ، ويود لو يمسون محرومين ويصبحون ضائعين ، رجل ضللته عن حقيقة الحياة ظلمات شتى .

إنه أولاً محصور بالدنيا ومتاعها ، يقاتل عليه ويبكي وراءه ، ويتبع بالغيظ من نالوا نصيباً ضخماً منه .

وهذا خطأ في تقدير الحياتين ، بل لعله جهل أو ذهول عن الحياة الأخرى وما ينبغي لها من استعداد ، يجب أن يتأهب المرء له ، ويأسى لفواته .

قال الله تعالى : (( يا أيُّهَا النَّاسُ قد جاءتكمْ موعظةٌ من ربّكم وشفاءٌ لما في الصدور ، وهدىً ورَحمةٌ للمؤْمنينَ * قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ، هُوَ خيرٌ مِمَّا يَجْمَعُوْنَ )) .

ثم إن الحاسد بعد ذلك ، شخص واهن العزم ، كليل اليد ، جاهل بربه وبسنته في كونه .

ذلك أنه لما فاته الخير لأمر ما تحول يكيد للناجحين ‍‍

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالكل أعداء له وخصوم



وكان أجدى عليه أن يتحول إلى ربه ، يسأله من فضله . فإن خزائنه ليست حكراً على واحد بعينه ، ثم يستأنف السعي في الحياة بعدئذ.

فلعل ما عجز عنه في البداية يدركه ثانية . إن هذا لا ريب أشرف من الضغينة على الآخرين .

والبون بعيد بين الحسد والطموح ، وبين الحسد والغبطة ، وبين الحسد واستنكار العوج في الأوضاع والخلط في المنع والعطاء .

فالطموح رغبة في الرفعة وسعي إليها . وذلك شأن الصالحين من عباد الله .

قال سليمان : (( ربَّ اغفِرْ لي وَهَبْ لي مُلْكاً لا ينبغِي لأحدٍ من بعدي ، إنَّكَ أنتَ الوهَّابُ )).

وقال عباد الرحمن : (( ربَّنَا هَبْ لنا من أزواجنا وذُرِّيَّاتنا قُرَّةَ أعينٍ واجعلنا للمُتقينَ إمَاماً ).

والتطلع إلى فضل الله مع الأخذ في أسباب اكتسابه شيء غير كراهية فضل الله عندما ينزل بإنسان معين .

والغبطة رغبة المرء في الحصول على نعمة مماثلة لما أكرم الله به الآخرين .

ولما كان تطلع الإنسان إلى غيره ، قد يكون فتحاً لأبواب الفتنة ، وتعلقاً بالمنى الباطلة، واشتهاء لما يحسبه الشخص نافعاًله ، وهو في الحقيقة ضار به ، أرشد الإسلام إلى ما ينبغي طلبه ، والتنافس فيه ،
فقال رسول الله : (( لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق ، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها )) .

والحسد في الحديث تمني مثيل النعمة ، لا تمني زوالها .

والمقصود أن يكون المثل الأعلى الذي يستهدفه الإنسان جليلاً رائعاً ، فإن من سقوط الهمة أن ترتبط الآمال بالتافه من الأحوال .. وهناك شؤون يعتبر التشبث بطلبها عبثاً لا يورث إلا الحسرة . وقد ينتهي بالحقد على الناس ، لا لشيء إلا أن الله خصهم بمواهب فطرية ، أو بمنافع تقوم على هذه المواهب .

وفي هذه الشؤون وأمثالها يقول الله تعالى : (( ولا تَتَمنَّوا ما فضَّلَ اللهُ به بعضكُمْ على بعضٍ، للرِّجالِ نصيبٌ ممَّا اكتسبوا وللنساءِ نصيبٌ ممَّا اكتسبنَ ، واسألوا الله من فضله إنَّ اللهَ كانَ بكلِّ شيءٍ عليماً )).

وأما استنكار العوج في الأوضاع ، فهو إقرار العدالة الواجبة ، وليس من قبيل الحسد المذموم.

فإذا غضبنا لأن هذا أخذ الكثير على جهد قليل ، أو رفع إلى درجة لا ترشحه لها كفايته ، فهذا الغضب مفهوم ومحمود ، وهو ضرب من رعاية المصالح العامة ، لا صلة للحقد الشخصي به .

إن الإسلام يتحسس النفوس بين الحين والحين ، ليغسلها من أدران الحقد الرخيص ، وليجعلها حافلةً بمشاعر أزكى وأنقى نحو الناس ونحو الحياة.

في كل يوم ، وفي كل أسبوع ، وفي كل عام تمر النفوس من آداب الإسلام في مصفاة تحجز الأكدار، وتنقي العيوب ، ولا تبقي في الأفئدة المؤمنة أثارة من ضغينة .

أما في كل يوم : فقد أوضح الإسلام أن الصلوات المكتوبة لا يحظى المسلم بثوابها إلا إذا اقترنت بصفاء القلب للناس ، وفراغه من الغش والخصومات .

قال رسول اله : (( ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً : رجل أمَّ قوماً وهم له كارهون ، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط ، وأخوان متصارمان )).

وأما في كل أسبوع : فإن هناك إحصاء لما يعمله المسلم ، ينظر الله فيه ليحاكم المرء إلى ما قدمت يداه ، و أسرّه ضميره ، فإن كان سليم الصدر نجا من العثار ، وإن كان ملوثاً بمآثم الغضب والحسد والسخط ، تأخر في المضمار.

قال رسول الله : (( تعرض الأعمال في كل اثنين وخميس ، فيغفر الله عز وجل في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئاً ، إلا امرأً كانت بينه وبين أخيه شحناء . فيقول : اتركوا هذين حتى يصطلحا))

وأما في كل عام : فبعد تراخي الليالي وامتداد الأيام ، لا ينبغي أن يبقى المسلم حبيساً في سجن العداوة ، مغلولاً في قيود البغضاء .

فإن لله في دنيا الناس نفحات لا يظفر بخيرها إلا الأصفياء السمحاء .

ففي الحديث : (( إن الله عز وجل يطلع على عباده ،ليلة النصف من شعبان فيغفر للمستغفرين ، ويرحم المسترحمين ، ويؤخر أهل الحقد كما هم ‍ ))

فمن مات بعد هذه المصافي المتتابعة ، والبغضاء لاصقة بقلبه لا تنفك عنه ، فهو جدير بأن يصلى حر النار . فإن ما عجزت الشرائع عن تطهيره ، لا تعجز النار عن الوصول إلى قراره ، وكي أضغانه وأوزاره .

***

والشحناء التي كرهها الإسلام وكره ما يدفع إليها أو ينشأ عنها ، هي التي تنشب من أجل الدنيا وأهوائها ، والطماعية في اقتناص لذائذها والاستئثار بمتاعها .

أما البغض لله ، والغضب للحق ، والثورة للشرف . فشأن آخر ...

وليس على المسلم جناح في أن يقاطع حتى الموت ، من يفسقون عن أمر الله ، أو يعتدون على حدوده . وليس عليه من لائمة في أن يكنَّ لهم البغضاء ، ويعالنهم العداء .

بل إن ذلك أمارات الإيمان الصحيح ، والإخلاص لله وحده .

وقد أمر الله عز وجل أن نجافي أعداءه ولو كانوا أقرب الناس إلينا :

(( يا أيُّها الَّينَ آمَنُوا لا تتَّخذوا آباءكُمْ وإخوانكمْ أولياءَ إن استحبُّوا الكفرَ على الإيمانِ * ومن يتولَّهمْ منكمْ فأولئك همُ الظّالمونَ )).

وابتعاد المسلم عمن تسوء صحبتهم ، أو من يغرون بالتهاون والهزل واجب .

وابتعاده عمن أخطأ في حق الله ، عقاباً له ، إلى أجل محدود أو ممدود ، لا شيء فيه ، فقد هجر النبي بعض نسائه أربعين يوماً . وهجر عبد الله بن عمر ولداً له حتى مات ، لأنه رد حكماً لرسول الله ، كان أبوه يرويه في إباحة خروج النساء إلى المساجد .

محمد الغزالي
[/align]
رد مع اقتباس
 

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302 303 304 305 306 307 308 309 310 311 312 313 314 315 316 317 318 319 320 321 322 323 324 325 326 327 328 329 330 331 332 333 334 335 336 337 338 339 340 341 342 343 344 345 346 347 348 349 350 351 352 353 354 355 356 357 358 359 360 361 362 363 364 365 366 367 368 369 370 371 372 373 374 375 376 377 378 379 380 381 382 383 384 385 386