http://www.twitethkar.com/ مجالس الساهر - عرض مشاركة واحدة - روضة الخطيب

الموضوع: روضة الخطيب
عرض مشاركة واحدة
  #1 (permalink)  
قديم 06-10-2001, 23:03
الصورة الرمزية شهادة حق
شهادة حق شهادة حق غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: 01-08-2001
الدولة: الإمارات العربية المتحدة
المشاركات: 3,276
معدل تقييم المستوى: 12487
شهادة حق مرحبا  بك في صفوف المتميزينشهادة حق مرحبا  بك في صفوف المتميزينشهادة حق مرحبا  بك في صفوف المتميزينشهادة حق مرحبا  بك في صفوف المتميزينشهادة حق مرحبا  بك في صفوف المتميزينشهادة حق مرحبا  بك في صفوف المتميزينشهادة حق مرحبا  بك في صفوف المتميزينشهادة حق مرحبا  بك في صفوف المتميزينشهادة حق مرحبا  بك في صفوف المتميزينشهادة حق مرحبا  بك في صفوف المتميزينشهادة حق مرحبا  بك في صفوف المتميزين
روضة الخطيب

موضوع منقول :
----------------

بسم الله الرحمن الرحيم

{وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً}

ولسـان صيـرفي صـارم كذباب السيف ما مس قطع
سحر هاروت وماروت ولـو كلم الصخر بحق لانصدع

نحن في زمن عجيب، وفي عصر غريب، كم بلينا بخطيب غير أديب، ولا مصيب، إذا تكلم تلعثم، وهمهم، وغمغم، وتمتم.
إذا بدأ في الكلام اعتذر، لا يدري ما يأتي وما يذر، لأن كلامه هذر مذر، ابتلي الرجل بالسعال، وكثرة الانفعال، وسوء التعبير في المقال.
لا يزوّر الكلام في صدره تزويراً، ولا يحبّر الخطب تحبيراً، فلا يساوي كلامه في ميزان الشعر نقيراً، يا ليت بعض الخطباء اشتغل بالتجارة، أو مارس البناء والنجارة، وترك المنبر لأهل الإبداع والجدارة.
الخطيب القدير، والمتكلم النحرير، له صولة وزئير، ومنطق كالحرير، ولسان كالسيف الطرير، إذا وثب على المنبر، فاح منه المسك والعنبر، فكأن منطقه الماء الزلال، والنبع السلسال، يأتي الحكمة في ارتجال، ويغلب بحجته الرجال، فإنه الأسد إذا صال وجال، إياك والكلام الساقط المرذول، والعامي المبذول، وعليك بفصيح المنقول، الذي يحبّذه أصحاب العقول، ما أحوجنا إلى خطيب قوّال، وبما يقول فعّال، ليس صاحب إملال، ولا إخلال، ولا إقلال، وإنما يدبج السحر الحلال.
وكلامه السحر الحلال لو أنه لم يجن قتل المسلم المتحرز
إن طال لم يملل وإن أوجزته ودّ المحـدث أنه لـم يوجز

لا يشرح الصدر مثل الكلام الصادق، والبيان الناطق، واللفظ الدافق، والأسلوب السامق، أما كلام الحاكة، وألفاظ أهل الركاكة، فهو حُمّى الأرواح، في الصدور رماح، وفي القلوب جراح.
ترى بعضهم إذا تكلم لا يكاد يبين، كأنه من الأعجمين، ينطق بالحرف مقلوباً، ويجعل المرفوع منصوباً، ملأ خطبته عيوباً، وندوباً، وثقوباً. غضب منه في النحو سيبويه، وفي اللغة نفطويه، وفي الحديث راهويه، وفي الشعر متنبيويه.
الخطيب البارع يأسر القلوب أسراً، ويسري بالأرواح، فسبحان من أسرى، ويسترق الضمائر فإما منّاً بعد وإما فداء، وله على مستعمرات النفوس احتلال واستيلاء.
الخطيب الملهم يكتب على صفحات القلوب رسائل من التأثير، في العقول صوراً من براعة التعبير، ويبني في الأفئدة خياماً من جلال التصوير. هل تمل من الروضة الغنّاء إذا غنى فيها العندليب، وحل بها الحبيب، وأطفأ نسيمها اللهيب، وكذلك الخطيب النجيب، في خطبه روضات من الجمال، وبساتين من الجلال، ودواوين من الكمال.
تقرأ القصة لا تساوي بعرة، ولا تهز شعرة، فيلقيها الخطيب الأشدق، والفصيح المتدفق، فكأنها السحر دب في كيانك، وكأنها الخمر هزت أركانك، تسمع بيت الشعر لا يساوي ريالاً، ولا ترى فيه روعة ولا جمالاً، فيلقيه الخطيب المصقع، والمتكلم المبدع، فتبقى من حسنه مبهوتاً، كأنك لقطت ياقوتاً.
الخطيب الهدّار، كالسيل الموّار، يقتلع الأشجار، ويحمل الأحجار، ويقتحم الأسوار، لا يرده جدار، ولا تقف في طريقه دار، لأن الخطيب يقبل ومعه الآية الآمرة، والموعظة الزاجرة، والقصة النادرة، والحجة الباهرة، والقافية الساخرة. تعيش معه في دنيا من الصور والألوان، وفي عالم من المشاهد والألحان، كأنك في إيوان، أو بستان، أو ديوان.
دعني من الخطباء الثقلاء، كأن كلامهم لهيب الرمضاء، أو وهج الصحراء، أو وجه الشتاء، لا طلاوة، ولا حلاوة، لا إبداع، ولا إمتاع، ولا إشباع. قوم لم تركض ألسنتهم في ميدان البيان، ولم تذق قلوبهم حلاوة القرآن، ولا تمتعوا بسحر الكلمات، ولا رشاقة الجمل البالغات، ولا عرفوا حسن السبك، ولا براعة الحبك، همّ أحدهم صحف يتلوها على الناس بكرة وأصيلاً، لا تترك في الناس من التأثير فتيلاً، يلوك أحدهم الكلام لوكاً، كأنه يغرز في الأجسام شوكاً.
أفصح الناس رسول الهدى، وإمام الندى، أبلغ من حضر وبدا، وأوعظ من راح وغدا.
ما بني جملة من اللفظ إلا وابتنى اللفظ أمة من عفاء
منطق يملأ القلوب جلالا في حبـور وبهجة وصفاء

إن من أعظم المتع التي عاشها الصحابة، تلك الفصاحة، والبراعة، والنجابة، التي كانوا يسمعونها من سيد الفصحاء، وإمام البرعاء، وأبين العرب العرباء، كان إذا تكلم ملك المشاعر، واستولى على الضمائر، واستمال السرائر، فلا يريدون بعده كلام خطيب ولا شاعر، إذا نطق عليه الصلاة والسلام وتدفق، فكأنه الفجر أشرق، والماء ترقرق، والنور في الأرواح ترفق. إن من النعيم، عند ذاك الجيل العظيم، سماع ذلك النبي الكريم، في منطق سليم، وصوت رخيم، وقول قويم، ونهج مستقيم.
ثم درج خطباء الأمة على منواله، وسبكوا أقوالهم على أقواله، فمن مقلّ ومكثر، ومن مؤثر ومتأثر.
فأحسن الخطباء من جعل القرآن معينه، وملأ بنور الحديث عينه، وجعل البيان خدينه، ثم أكثر من التدريب، وأدمن التجريب، وأخذ من كل فن بنصيب، فترى له من البراعة، ومن الجرأة والشجاعة، ما يخلب ألباب الجماعة، جمالاً في بيان، وحسناً في إتقان، مع عذوبة لسان وثبات جنان.
غير أن البلاء، يأتي من الأغبياء، المعدودين في الخطباء، فهم كالغيم في الصحو، وكاللحن في النحو، عبارات من حجاب البيان سافرة، وجمل متنافرة. وتركيب غريب، ليس عليه من سلطان الإبداع رقيب، همّ أحدهم أن يقول، ولو أخطأ في النقول، وعاث في العقول، فمنع هؤلاء من الخطابة إصابة، حتى يراجع كل منهم حسابه. فليست المنابر أسواق باعة، ولا أحواش زراعة، ولا ورش صناعة، إنما المنابر مواضع طاعة، تهذب بها الأجيال، وتصقل بها عقول الرجال.
ومنطق كضيـاء الشمس تحسبـه من حسنه سحر هاروت وماروت
يدب في الجسم مثل البرء لو نظمت ألفاظـه قلت هـذا عقـد يـاقوت

فهذب لسانك، وجوّد بيانك، ودرّب جنانك، وأطلق في الفصاحة عنانك، لتكون الخطيب المسدّد، والمتكلم المؤيد. وحذار من ترداد الكلام، فإنه يتحول إلى ركام، ويصبح الخطيب أقبح في العين من الظلام، وإياك والتقعر والغرابة، فإنها من عيوب الخطابة، ولا تكرر العبارة، ولا تكثر الإشارة، ولا تقحم نفسك في فنون أهل الاختصاص، ولا تجرح الأشخاص. واخلط الترغيب بالترهيب، والوعظ بالتأديب، وتحبب إلى السامعين بالطيّب من الكلام، ولا تتعرض للشتم والملام، وتألف القلوب، وذكرهم برحمة علاّم الغيوب. وتخولهم بالموعظة لتكون لقلوبهم موقظة، وتحدث فيما يحتاجون إليه من مسائل، وما يهمهم من فضائل، وكن لطيفاً مع الناس، كالطبيب الآس.
واجعل إمامك في الخطابة رسول البيان، صاحب القرآن، سيد ولد عدنان. فقد كان الجذع يحنّ لكلامه، ويئن من كثرة شوقه وهيامه، وكانت الدموع من وعظه تتحدر، والقلوب تتفطّر، والنفوس تتحسر، هذا إذا أنذر وحذر، أما إذا ذكرهم بمغفرة الغفور، فهناك تسبح النفوس في صرح ممرّد من السرور، وفي جدول من الحبور، فيمد كلامه نور الفطرة، فالكل نور على نور.
هـذا الكـلام الذي ما قاله أحـد ولا تلا مثله في الجمع سحبان
عليـه من حلل الأنـوار أرديـة فكل قلب من الأشـواق نشوان

يصدع الصخر في زجر وموعظة وفي البشارة روض فيه ريحان
أيها الخطباء كونوا أبطالاً، ورصّعوا من الحكمة أقوالاً، ودبّجوا من الفصاحة أمثالاً، وانفروا خفافاً وثقالاً، وفقكم الله تعالى.


عائض القرني
__________________




الشكر و التقدير موصولان لأخينا الفاضل مصمم المجالس " سفير الحزن "
رد مع اقتباس
 

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302 303 304 305 306 307 308 309 310 311 312 313 314 315 316 317 318 319 320 321 322 323 324 325 326 327 328 329 330 331 332 333 334 335 336 337 338 339 340 341 342 343 344 345 346 347 348 349 350 351 352 353 354 355 356 357 358 359 360 361 362 363 364 365 366 367 368 369 370 371 372 373 374 375 376 377 378 379 380 381 382 383 384 385 386