http://www.twitethkar.com/ مجالس الساهر - عرض مشاركة واحدة - تاديب التلميذ

الموضوع: تاديب التلميذ
عرض مشاركة واحدة
  #1 (permalink)  
قديم 06-11-2008, 14:39
عمر عويس
Guest
 
المشاركات: n/a
12 تاديب التلميذ

أثار انتباهي حادث ضرب أحد المعلمين لأحد تلاميذه فأفضي به الضرب إلي الموت. وانتهت حياة التلميذ بينما يقف المعلم في قفص الاتهام ليصدر في موقفه حكم قضائي. ولست أريد التعرض لحكم القضاء قبل أن ينظر القضية. فقد يؤدي النظر فيها إلي براءة المتهم. وقد يؤدي إلي إدانته. وهذا يخضع لملابسات القضية ونظرة القضاء إليها ويقينه بالموقف فيها. والذي أثار انتباهي هنا أن الموقف التربوي تحول إلي حادث من نوع إجرامي بالغ. ولست أعيب الضرب في الموقف التربوي إذا كان الضرب ضرورياً وبعد استنفاد كل الوسائل السلمية للتربية. فقد يكون الضرب هو الحل الوحيد. وقد أفاد بذلك القرآن الكريم في علاج نشوز المرأة التي لا تستمع للنصيحة باللسان وبالهجر في المضجع. لكن الضرب يجب ألا يكون موجعاً أو مشوهاً. وقد نصح رسول الله صلي الله عليه وسلم في هذه الحالة بالبعد عند الضرب عن الوجه. لأن الوجه من الوجاهة. وهو موطن شرف الرؤية عند الإنسان. وهو المعبر بخلجاته عن موقف القلب وإنفعالاته وذلك كله لا يمنع الضرب عند الضرورة. ولكنه يمنع الشدة فيه أو التحقير من شأن المضروب. وبالتالي فهو يمنع العنف فيه.
لكن التربية في المدارس التعليمية لها ظروفها حيث تختلف أساليبها بين الأحياء والبيئات. والتربية السليمة عندما تبدأ في المنزل فإنها تربي معني الحرية المسئولة عند الأبناء. والحرية لا تعني الفوضي. وإنما تعني التصرف طبقاً للإحساس بالمسئولية. واقترن الضرب للتأديب بالعبودية. بينما اقترن التأديب بالقول بالحرية. ومن هنا قيل: إن العبد يقرع بالعصا. بينما تكفي المقالة مع الحر. ونظم في ذلك الشعراء شعرا من قديم لايزال الناس يرددونه حتي اليوم.
إن غياب التربية يفتح الباب أمام المعلمين للعنف مع تلاميذهم الذين لا ينتصحون. و أذكر أن أحد الخريجين من كلية التربية تسلم عمله كمعلم في إحدي المدارس. وفي أول يوم من العمل تسلم جدول الحصص ليباشر العمل فوراً. وكان اللقاء الأول مع ناظر المدرسة. فلما شرع المعلم في ترك مكتب الناظر ليذهب إلي الفصل الدراسي أشار إليه الناظر بأن يأخذ معه عصا التأديب القائمة في ركن المكتب. وهي خيزراته طويلة جافة. فاستنكر المعلم المليء عقله بقواعد التربية التعليمية ما أشار به الناظر. فتركه الناظر وشأنه. فلما ذهب المعلم إلي الفصل وتعامل مع التلاميذ وجد أن الناظر كان علي حق فيما أشار به. فلما انتهت الحصة ذهب إلي الناظر في مكتبه. وجلس إليه صامتاً. والناظر لا يسأله عما فعل. ولكنه عندما أراد الذهاب إلي الحصة التالية سأل الناظر: أين العصا؟! وضحك الناظر بملء فيه وسخر من موقفه السابق. وكان بينهما حديث في قواعد التربية العلمية التي درساها في كلية التربية وبين واقع المجتمع الذي يسعي فيه الآباء بأبنائهم إلي المدرسة.
وهنا يدرك المراقب لمثل هذا الموقف أن لدينا قصوراً في أساليب التربية العلمية. ومناخها العام. ثم مناخها بالتفصيل. فقد تكون قواعد التربية مترجمة عن مناخ أجنبي وضعت له. وقد تكون موضوعة عندنا علي تصور تربوي بعيد عن الحياة الاجتماعية وظروفها. لأن التربية إذا كانت تعتمد علي قواعد عامة فإن لكل مجتمع تفصيلات مختلفة عن الآخر. وصحيح هي تعود إلي القواعد العامة. لكن التطبيق في كل مجتمع يجب أن يلائم هذا المجتمع. وقد شهدت أحد المعلمين في القرية أيام زمان يذهب بتلاميذه إلي الحقل ليعلم التلاميذ كيفية الوضوء علي شاطئ الترعة. وهو اليوم غيره بالأمس. لأن المياه النقية دخلت الريف. وامتدت أنابيبها إلي المنازل. وحكمت جريانها الصنابير. وبالضرورة تكون هذه الأنابيب امتدت إلي المدرسة التي أصبحت بها دورات مياه صحية. فالمعلم الآن ليس في حاجة إلي الذهاب بتلاميذه إلي الحقل ليعلمهم كيفية الوضوء للصلاة.
الذي أريد أن أقوله إن كل حالة اجتماعية لها ما يناسبها من طرق التربية. ولا مانع والقرية تشاهد التليفزيون أن تستخدم مياه الترعة في الشرب بعد تنقيتها وجعلها صالحة. وبالتالي لا مانع من أن يؤدب المعلم تلميذه وأن يعاقبه عند عدم سماعه النصيحة. وأن يؤدي به العقاب إلي الضرب. لكن الضرب يجب أن يكون ضرباً تربوياً وليس ضرباً يؤدي إلي القتل مهما تكن الضرورة.
هذا تحليل للواقعة من بعيد. وقد تكون هناك ظروف أخري لا يدركها الغائب عن موقع الحدث وقت وقوعه. والمشاهدون يدركونها. وتحليل القاضي بعد أن يقرأ أوراق القضية ويستمع إلي الشهود يكون أكثر صدقاً. لأنه يتحرج من إصدار حكم في حادث قتل قبل استيفاء الوقائع. لكن حكم القاضي يظل حكماً بالنسبة لحادثة فردية قد تتكرر ولكن ليس بكل الظروف والملابسات التي وقعت فيها حادثة سابقة. وهذا يحتاج إلي موقف تربوي هو بحكم الواقع في يد التربية العلمية. والتربية العلمية تحركها أيد متعددة. أولها اليد في المنزل. وثانيها اليد في المدرسة. وثالثها اليد في المجتمع. ووظيفة وزارة التربية والتعليم أن تجعل هذه الأيدي جميعاً قابضة علي أمر واحد. وعندما تتوفر هذه الوظيفة لهذه الوزارة فلن تري معلماً يضرب تلميذاً. ولن نري تلميذاً يضرب معلمه. وإذا ضرب أحدهما الآخر فلن يفضي به الضرب إلي الموت.
رد مع اقتباس
 

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302 303 304 305 306 307 308 309 310 311 312 313 314 315 316 317 318 319 320 321 322 323 324 325 326 327 328 329 330 331 332 333 334 335 336 337 338 339 340 341 342 343 344 345 346 347 348 349 350 351 352 353 354 355 356 357 358 359 360 361 362 363 364 365 366 367 368 369 370 371 372 373 374 375 376 377 378 379 380 381 382 383 384 385 386