http://www.twitethkar.com/ مجالس الساهر - عرض مشاركة واحدة - حسون الحواي

الموضوع: حسون الحواي
عرض مشاركة واحدة
  #1 (permalink)  
قديم 22-02-2003, 14:08
الصورة الرمزية شهادة حق
شهادة حق شهادة حق غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: 01-08-2001
الدولة: الإمارات العربية المتحدة
المشاركات: 3,276
معدل تقييم المستوى: 12488
شهادة حق مرحبا  بك في صفوف المتميزينشهادة حق مرحبا  بك في صفوف المتميزينشهادة حق مرحبا  بك في صفوف المتميزينشهادة حق مرحبا  بك في صفوف المتميزينشهادة حق مرحبا  بك في صفوف المتميزينشهادة حق مرحبا  بك في صفوف المتميزينشهادة حق مرحبا  بك في صفوف المتميزينشهادة حق مرحبا  بك في صفوف المتميزينشهادة حق مرحبا  بك في صفوف المتميزينشهادة حق مرحبا  بك في صفوف المتميزينشهادة حق مرحبا  بك في صفوف المتميزين
حسون الحواي

الكتاب الاول، حسن الحواي

عندي، عندي ،


أنا أبو هندي ،


شال حرير يا بنات ،


كِركاش، لُعُوب، صوّايات ،


عود، طيب، الزعفران الشامي، هال، سوراي الهند، صالحني، بوقليم، بوطيرة عِبِيْ، سروايل، كحل ،


وكله عندي ،


أنا أبو هندي شال حرير يا بنات


بصوته الرخيم ولكنته المميزة كان يصيح حسون الحواي من على حمارته المحملة ببضاعته، المتنوعة كان يردد انشودته تلك كلما مر على باب من الابواب، او كلما دخل في سكة من سكيك حارتنا الضيقة، النساء والاطفال يستبشرون بطلعته وببضاعته، الكل يعرفه.. جسمه المائل إلى السمنة، ورائحة العود والطيب التي تسبقه، وذقنه الحليقة ـ فهو أول رجل يحلق لحيته في حارتنا- الرجال يمازحونه دائماً، والنساء يقربنه وإن لم يكن يردن الشراء وكثيرة هي الفرجة.


حسّون يبكر في الصباح ولا يعود إلى بيته إلا عند أذان المغرب. في ساعات العمل هذه، يكون قد احتسى ما لا يقل عن عشرين فنجان قهوة أو شاي وقد أفطر في أكثر من خمسة بيوت. أما الغداء فأمره موكل في كل يوم إلى بيت من بيوت الحارة، فهو معزوم باستمرار. يأكل ما يصنعه أهل البيت عادة ويغلط الإيمان على مضيفيه بأن لا يكلفوا أنفسهم عناء فهو من أهل البيت. بعد الغداء يرسل حمارته تحت فيء السدرة الزخيمة، وينطلق الى النخل ليستريح بعض الشيء، بعدها يقوم ويستحم من الشريعة ويعود يجوب بيوت الحارة، ونبرة صوته المميزة ورائحته الطيبة تسبقه إلى كل البيوت، حسّون لم يتناول قط وجبة عشاء في حياته فهو يكتفي بما يجبره عليه الأهالي من أكل وشرب طوال اليوم، بيته كان مبنياً من الطين به ثلاث غرف كبيرة وحوش تخب الخيل فيه، لكنه كان خالياً من الزوجة والأولاد وعندما تسأله نساء الحارة عن عدم زواجه حتى الآن وهو قد تخطى الثلاثين بخمسة أعوام يجيب حسون «شو أباها الحرمة، تراني عايش بلاها من سنين.


وبعدين عندي أمي -الله يطول في عمرها- هي الدنيا بكبرها» كانت تلفه الكآبة وإن كان يخفيها عندما يفتحون له سيرة الزواج وتجره ذكريات الأمس البعيد عندما كان فتى غرّاً في العام السادس عشر حين أرسله والده إلى الساحل عند عمه وبقي هناك سنتين استطاع فيهما أن يكسب علماً ومعرفة في الفقه والأدب ودراية في التجارة والمكاتبات وأن يخرج منهما بتجربة مريرة قاسية على عمره الصغير، زجه فيها والده وعمه حين أجبراه على الزواج من درية ابنة عمه، فكان لا يرى فيها من الحسن الا أقبحه ومن القول إلا أفحشه، رجع بعدها حسون وظل يعاون أباه في البناء، حتى توفي أبوه، وبموته هجر عملية البناء فكم هي شاقة عليه، كان يفضل العمل بالتجارة.


استثمر أموال أبيه في الشراء بضائع من الهند عن طريق أحد تجار دبي وظل يزاولها قرابة أربع عشرة سنة، في بداية حياته كان يريد أن يفتح دكاناً، لكنه بعد ثلاث سنوات عز عليه ألا يرى نفس الوجوه التي يراها كل يوم وألا يطرق كل البيوت التي ترحب به في حين، كان يقول «إذا فتحت دكاناً فسأبقى فيه كالعجوز فالوقت طويل والناس قلما يأتون إليك إلا في الحاجة وسيمكثون معك قدر حاجاتهم أما الآن، فأنا كالطائر أحوم أينما أريد وأحل متى أريد، أكلم هذا وأمزح مع ذاك، وقلوب وأبواب بيوت الحارة مشرعة لي فلماذا أسجن نفسي وأسجن معي الطائر الذي يعشق الحوم»!


معظم بيع حسون الحواي كان بالدين لكنه لم يطلب من أحد رد دينه ونادراً ما لم يعط حقه، فهو يعتبر نفسه ابناً لكل بيوت الحارة فهو إن نسي لن ينسى وقفتهم معه حين ماتت أمه قبل أربع سنين.. حسون حين سمع أمه تشتكي من آلام في بطنها ترك كل شيء وحمل أمه إلى العالي، لكنه بعد شهرين رجع بدون أمه، وبحقائب مليئة بشتى أنواع الطيب والتبر ولعب الأطفال وبقلب كسير وحزن يلف وجهه كان يفكر في بيع هذه البضاعة ويعود إلى الساحل عند عمّه ليعمل معه. لكن تمسك الناس به وذكرى شبح ابنة عمه وطيف ضحكة أمه التي كانت تملأ عليه البيت وأشياءها المندسة في كل الزوايا جميعها كانت تشده إلى هذه الأرض مرتع صباها وذكريات شبابه.


حين صارح أهالي حارتنا بنية الرجوع إلى الساحل كان يرى الحزن في عيون الناس والصدق على وجوههم. قرار العودة، لم يلق استحساناً وقبولاً من أحد حتى من حسون نفسه.


الرجال كانوا يقولون له ممازحينه «اسميك وايد عليك صابر هالزمن كله.. لو إنك ما تسير الحج كل سنة وسنتين جان قلنا عنك زناي أغبر.. لكن فوق هذا تصدقون إنه مرتاح».


- حسون كان يذهب كل سنة أو سنتين إلى الحج فالحج حجة وحاجة زيارة وتجارة كان يجلب من مكة والمدينة شيل وطواقي ومسابيح وعود ولبان ومصاحف ومرافيع وغتر حمر وبشوت. كوّن حسون أموالاً كثيرة قياساً إلى ذلك الزمن لكنه ظل يبيع على حمارته يجوب معها الأزقة والحواري لكنها شاخت بعض الشيء فلم تعد تقوى على المسير اليومي وعلى الحمل الثقيل وفي صباح يوم أحد، قام مبكراً كعادته ليقدم لها علفها المعتاد لكنه وجدها قد نفقت وتورم جسدها، لفه الحزن والضيق فقد كانت الوحيدة الباقية في حياته تؤنس وحدته وترافقه إلى حيث يريد. طلب من العمال حملها ووضعها تحت فيء سمرة في ذلك السِيِح.


احملوها حملاً فهذه عشرة عمر، أربع عشرة سنة معي، لا كلّت ولا ملّت. رافق العمال إلى حيث نزلت إلى مثواها الأخير كان يود أن يجلس بعض الوقت إلى جانبها لكن توارت السيارة وحسون يرنو بناظريه إلى حمارته الساكنة تحت السمرة وحيدة يضمها السيح الوسيع، بعد أيام رجع حسون إلى تلك السمرة ووجد بقايا جيفة والرمال قد غطت بعض عظامها الباقية أقفل راجعا حزيناً وألف فكرة تدور في رأسه لأول مرة ينتبه إلى ضرورة الخلف، فحمارته هذه كان يحوش عنها كل الحمير.


بقي شهراً لا يخرج من بيته إلا قليلاً ليسلم على بعض الأهالي وكان إذا احتاج أحد إلى شيء من بضاعته أتى إليه البيت، بعد أشهر تزوّج حسون وفتح دكاناً وأصبح مقاولاً للحج وتسلم تعويضاً عن بيته وأنجب طفلاً وثناه ببنت في السنة الثانية، كبرت تجارة حسون، أصبح يستورد ويبيع بالجملة إلى التجار، وملك قافلة من الحافلات خاصة بموسم الحج، وفتح مكتباً للخدمات العامة لجلب العمال والخدامات من الهند والفلبين وسيرلانكا.


اشتغل الناس بكل شيء وبلا شيء ولم تعد العلاقة نفس العلاقة بين الناس، علت مبانيهم فلم يعد الواحد يرى الآخر وكثر هرجهم فلم يعد الواحد يسمع عن الآخر إلا ما يشين.


في يوم من الأيام أخذ حسون الحواي الذي أصبح اسمه حسن أبو علي ابنه وبنته سارة، وراح يجوب بهما الأزقة القديمة التي امتحت من الوجود لكنه الوحيد الذي يعرفها حق المعرفة ويدخل السكيك وراح يهزج لابنه وابنته «عندي عندي، أنا بو هندي، ، شال حرير يا بنات، كركاش، لعوب، صوايات، عود، طيب، الزعفران الشامي، هال، سوراي الهند، صالحني، بوقليم، بوطيرة عبي، سروايل، كحل، وكله عندي، عندي، أنا بو هندي شال حرير يا بنات».


خرجت العجوز غريبة من عريشها القابع في بطن نخلها وهي تصيح «... حسون الحواي».


ناصر الظاهري


من مجموعة عندما تدفن النخيل الصادرة عام 1990
__________________




الشكر و التقدير موصولان لأخينا الفاضل مصمم المجالس " سفير الحزن "
رد مع اقتباس
 

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302 303 304 305 306 307 308 309 310 311 312 313 314 315 316 317 318 319 320 321 322 323 324 325 326 327 328 329 330 331 332 333 334 335 336 337 338 339 340 341 342 343 344 345 346 347 348 349 350 351 352 353 354 355 356 357 358 359 360 361 362 363 364 365 366 367 368 369 370 371 372 373 374 375 376 377 378 379 380 381 382 383 384 385 386