http://www.twitethkar.com/ مجالس الساهر - عرض مشاركة واحدة - المقامة المضيريّة

عرض مشاركة واحدة
  #1 (permalink)  
قديم 20-03-2003, 23:10
الصورة الرمزية المشـــــتاق
المشـــــتاق المشـــــتاق غير متواجد حالياً
قلم الساهر المهم
 
تاريخ التسجيل: 20-10-2002
الدولة: العــــ**UAE**ـــين
العمر: 22
المشاركات: 289
معدل تقييم المستوى: 1128
المشـــــتاق is on a distinguished road
ادخل  واضحك المقامة المضيريّة


المقامة المضيريّة
حدّثنا عيسى بن هشام قال:

كنت بالبصرة، ومعي أبو الفتح الإسكندريّ رجل الفصاحة يدعوها فتجيبه، والبلاغة يأمرها فتطيعه، وحضرنا معه دعوة بعض الّتجار، فقدّمت إلينا مضيرة، تثني على الحضارة، وتترجرج في الغضارة، وتؤذن بالسّلامة، وتشهد لمعاوية رحمه الله بالإمامة، في قصعة يزلّ عنها الطّرف، فيها الظّرف، فلمّا أخذت من الخوان مكانها، ومن القلوب أوطانها، قام أبو الفتح الإسكندريّ يلعنها وصاحبها، ويمقتها وآكلها، ويثلبها وطابخها، وطننّاه يمزح فإذا الأمر بالضّدّ، وإذا المزاح عين الجدّ، وتنحّى عن الخوان، وترك مساعدة الإخوان، ورفعناها فارتفعت معها القلوب، وسافرت خلفها العيون، وتحلّبت لها الأفواه، وتلمّظت لها الشّفاه، واتّقدت لها الأكباد، ومضى في إثرها الفؤاد، ولكنّا ساعدناه على هجرها، وسألناه عن أمرها، فقال: قصّتي معها أطول من مصيبتي فيها، ولو حدّثتكم بها لم آمن المقت، وإضاعة الوقت، قلنا: هات، قال: دعاني بعض التّجار إلى مضيرة وأنا ببغداد، ولزمني ملازمة الغريم، والكلب لأصحاب الرّقيم، إلى أن أجبته إليها، وقمنا فجعل طول الطّريق يثني على زوجته، ويفدّيها بمهجته، ويصف حذقها في صنعتها، وتأنّقها في طبخها ويقول: يا مولاي لو رأيتها، والخرقة في وسطها، وهي تدور في الدّور، من التنّور إلى القدور ومن القدور إلى التنّور، تنفث بفيها النّار، وتدقّ بيديها الأبزار، ولو رأيت الدّخان وقد غبّر في ذلك الوجه الجميل، وأثّر في الخدّ الصّقيل، لرأيت منظرا تحار فيه العيون، وأنا أعشقها لأنّها تعشقني، ومن سعادة المرء أن يرزق المساعدة من حليلته، وأن يسعد بظعينته، ولا سيّما إذا كانت من طينته، وهي إبنة عمّي لّحا، طينتها طينتي، ومدينتها مدينتي، وعمومتها عمومتي، وأرومتها أرومتي، لكنّها أوسع منّي خلقا، وأحسن منّي خلقا، وصدّعني بصفات زوجته، حتّى انتهينا إلى محلّته، ثمّ قال: يا مولاي ترى هذه المحلّة؟ هي أشرف محالّ بغداد، يتنافس الأخيار في نزولها، ويتغاير الكبار في حلولها، ثمّ لايسكنها غير التّجار، وإنّما المرء بالجار، وداري في السّطة من قلادتها، والنّقطة من دائرتها، كم تقدّر يا مولاي أنفق على كلّ دار منها؟ قله تخمينا، إن لم تعرفه يقينا، قلت: الكثير، فقال: يا سبحان الله! ما اكبر هذا الغلط! تقول الكثير فقط؟ وتنفّس الصّعداء، وقال: سبحان من يعلم الأشياء، وانتهينا إلى باب داره، فقال: هذه داري، كم تقدّر يا مولاي أنفقت على هذه الطّاقة؟ أنفقت والله عليها فوق الطّاقة، ووراء الفاقة، كيف ترى صنعتها وشكلها؟ أرأيت بالله مثلها؟ انظر إلى دقائق الصّنعة فيها، وتأمّل حسن تعريجها، فكأنّما خطّ بالبركار، وانظر إلى حذق النّجّار في صنعة هذا الباب، اتخذه من كم؟ قل: ومن أين أعلم، وهو ساج من قطعة واحدة لا مأروض ولا عفن، إذا حرّك أنّ، وإذا انقر طنّ، من أّتخذه يا سيّدي؟ اتّخذه أبو إسحاق بن محمّد البصريّ، وهو والله رجل نظيف الأثواب، بصير بصنعة الأبواب خفيف اليد في العمل، لله درّ ذلك الرّجل! بحياتي لا استعنت إلاّ به على مثله، وهذه الحلقة تراها اشتريتها في سوق الطّرائف من عمران الطّرائفيّ بثلاثة دنانير معزّيّة، وكم فيها يا سيّدي من الشّبه؟ فيها ستّة أرطال، وهي تدور بلولب في الباب، بالله دوّرها، ثمّ انقرها وأبصرها، وبحياتي عليك لا اشتريت الحلق إلاّ منه، فليس يبيع إلاّ الأعلاق، ثمّ قرع الباب ودخلنا الدّهليز، وقال: عمّرك الله يا دار ولا خرّبك يا جدار، فما أمتن حيطانك، وأوثق بنيانك، وأقوى أساسك، تأمّل بالله معراجها، وتبيّن دواخلها، وسلني: كيف حصّلتها؟ وكم من حيلة احتلتها، حتّى عقدتها؟ كان لي جار يكنّى أبا سليمان يسكن هذه المحلّة، وله من المال ما لا يسعه الخزن، ومن الصّامت ما لا يحصره الوزن، مات رحمه الله وخلّف خلفاً أتلفه بين الخمر والزّمر، ومزّقه بين النّرد والقمر، وأشفقت أن يسوقه قائد الأضرار، إلى بيع الدّار، فيبيعها في أثناء الضّجر، أو يجعلها عرضة للخطر، ثمّ أراها، وقد فاتني شراها، فأتقطّع عليها حسرات، إلى يوم الممات، فعمدت إلى أثواب لاتنضّ تجارتها فحملتها إليه، وعرضتها عليه، وساومته على أن يشتريها نسيّة، والمدبر يحسب النّسيّة عطيّة، والمتخلّف يعتدّها هديّة، وسألته وثيقة بأصل المال، ففعل وعقدها لي، ثمّ تغفلت عن اقتضائه، حتّى كادت حاشية حاله ترقّ، فأتيته فاقتضيته، واستمهلني فأنظرته، والتمس غيرها من الثّياب فأحضرته، وسألته أن يجعل داره لديّ، ووثيقة في يديّ، ففعل، ثمّ درّجته بالمعاملات إلى بيعها حتّى حصلت لي بجدّ صاعد، وبخت مساعد، وقوّة ساعد، وربّ ساع لقاعد، وأنا بحمد الله مجدود، وفي مثل هذه الأحوال محمود، وحسبك يا مولاي أنّي كنت منذ ليال نائماً في البيت مع من فيه إذ قرع علينا الباب، فقلت: من الطّارق المنتاب، فإذا امرأة معها عقد لآل، في جلدة ماء ورقّة آل، تعرضه للبيع، فأخذته منها إخذة خلس، واشتريته بثمن بخس، وسيكون له نفه ظاهر، وربح وافر، بعون الله تعالى ودولتك، وإنّما حدّثتك بهذا الحديث لتعلم سعادة جدّي في التّجارة، والسّعادة تنبط الماء من الحجارة، الله أكبر لا ينبئك أصدق من نفسك، ولا أقرب من أمسك، اشتريت هذا الحصير في المنادات، وقد خرج من دور آل الفرات، وقت المصادرات، وزمن الغارات؟ وكنت أطلب مثله منذ الزّمن الأطول فلا أجد، والدّهر حبلى ليس يدري ما يلد، ثمّ اتّفق أنّي حضرت باب الطّاق، وهذا يعرض في الأسواق، فوزنت فيه كذا وكذا دينار، تأمّل بالله دقّته ولينه، وصنعته ولونه، فهو عظيم القدر، لا يقع مثله إلاّ في النّدر، وإن كنت سمعت بأبي عمران الحصيريّ فهو عمله، وله ابن يخلفه الآن في حانوته لا يوجد أعلاق الحصر إلاّ عنده، فبحياتي لا اشتريت الحصر إلاّ من دكّانه، فالمؤمن ناصح لإخوانه، لاسيّما من تحرّم بخوانه، ونعود إلى حديث المضيرة، فقد حان وقت الظّهيرة، ياغلام الطّست والماء، فقلت: الله أكبر، وربّما قرب الفرج، وسهل المخرج، وتقدّم الغلام، فقال: ترى هذا الغلام؟ إنّه روميّ الأصل، عراقيّ النّشء . تقدّم يا غلام واحسر عن رأسك، وشمّر عن ساقك، وانضُ عن ذراعك، وافترّ عن أسنانك، وأقبل وأدبر، ففعل الغلام ذلك، وقال التّاجر: بالله من اشتراه؟ اشتراه والله أبو العبّاس، من النّخاّس، ضع الطّست، وهات الإبريق، فوضعه الغلام، وأخذه التّاجر وقلّبه وأدار فيه النّظر ثمّ نقره، فقال: انظر إلى هذا الشّبه كأنّه جذوة الّلهب، أو قطعة من الذّهب، شبه الشّام، وصنعة العراق، ليس من خلقان الأعلاق، قد عرف دور الملوك ودارها، تأمّل حسنه وسلني متى اشتريته؟ اشتريته والله عام المجاعة، وادّخرته لهذه السّاعة، يا غلام الإبريق، فقدّمه وأخذه التّاجر فقلّبه، ثمّ قال: وأنبوبه منه، لايصلح هذا الإبريق إلاّ لهذا الطّست، ولا يصلح هذا الطّست إلاّ مع هذا الدّست، ولايحسن هذا الدّست إلاّ في هذا البيت، ولايجمل هذا البيت إلاّ مع هذا الضّيف، أرسل الماء يا غلام، فقد حان وقت الطّعام، بالله ترى هذا الماء ما أصفاه، أزرق كعين السّنّور، وصاف كقضيب البلّور، استقي من الفرات، وأستعمل بعد البيات، فجاء كلسان الشّمعة، في صفاء الدّمعة، وليس الشّأن في السّقّاء، الشّأن في الإناء، لا يدلّك على نظافة أسبابه، أصدق من نظافة شرابه، وهذا المنديل سلني عن قصّته، فهو نسج جرجان، وعمل أرّجان، وقع إليّ فاشتريته، فاتّخذت امرأتي بعضه سراويلا، واتّخذت بعضه منديلا، دخل في سراويلها عشرون ذراعا، وانتزعت من يدها هذا القدر انتزاعا، وأسلمته إلى المطرّز حتّى صنعه كما تراه وطرّزه، ثمّ رددته من السّوق، وخزنته في الصندوق، وادّخرته للظّراف، من الأضياف، لم تذلّه عرب العامّة بأيديها، ولا النّساء لمآقيها، فلكلّ علق يوم، ولكلّ آلة قوم، يا غلام الخوان، فقد طال الزّمان، والقصاع، فقد طال المصاع، والطّعام، فقد كثر الكلام، فأتى الغلام بالخوان، وقلّبه التّاجر على المكان، ونقره بالبنان، وعجمه بالأسنان، وقال: عمّر الله بغداد فما أجود متاعها، وأظرف صنّاعها، تأمّل بالله هذا الخوان، وانظر إلى عرض متنه، وخفّة وزنه، وصلابة عوده، وحسن شكله، فقلت: هذا الشّكل، فمتى الأكل؟ فقال: الآن، عجّل يا غلام الطّعام، لكنّ الخوان قوائمه منه، قال أبو الفتح الإسكندريّ: فجاشت نفسي، وقلت: قد بقي الخبز وآلاته، والخبز وصفاته، والحنطة من أين اشتريت أصلا، وكيف اكترى لها حملا، وفي أيّ رحى طحن، وإجّنة عجن، وأيّ تنور سجر، وخبّاز استأجر، وبقي الحطب من أين احتطب، ومتى جلب؟ وكيف صفّف حتّى جفّف؟ وحبس، حتّى يبس، وبقي الخبّاز ووصفه، والتّلميذ ونعته والدّقيق ومدحه والخمير وشرحه، وللملح وملاحته، وبقيت السّكرّجات من اتّخذها، وكيف انتقدها؟ ومن استعملها؟ ومن عملها؟ والخلّ كيف انتقى عنبه أو اشتري رطبه؟ وكيف صهرجت معصرته؟ واستخلص لبّه؟ وكيف قيّر حبّه؟ وكم يساوي دنّه؟ وبقي البقل كيف احتيل له حتّى قطف؟ وفي أيّ مبقلة رصف؟ وكيف تئنّق حتّى نظّف؟ وبقيت المضيرة كيف اشترى لحمها؟ ووفيّ شحمها؟ ونصبت قدرها، وأججت نارها، ودقّت أزارها، حتّى أجيد طبخها وعقد مرقها؟ وهذا خطب يطمّ، وأمر لا يتمّ، فقمت، فقال: أين تريد؟ فقلت: حاجة أقضيها، فقال: يامولاي تريد كنيفا يزري بربيعيّ الأمير، وخريفيّ الوزير، قد جحّص أعلاه وصهرج أسفله، وسطّح سقفه، وفرشت بالمرمر أرضه، يزلّ عن حائطه الذّرّ فلا يعلق، ويمشي على أرضه الذّباب فيزلق، عليه باب غير انه من خليطي ساج وعاج، مزدوجين أحسن ازدواج، يتمنّى الضّيف أن يأكل فيه، فقلت: كل أنت من هذا الجراب، لم يكن الكنيف في الحساب، وخرجت نحو الباب، وأسرعت في الذّهاب، وجعلت أعدو وهو يتبعني ويصيح: يا أبا الفتح المضيرة، وظنّ الصّبيان أنّ المضيرة لقب لي فصاحوا صياحه، فرميت أحدهم بحجر، من فرط الضّجر، فلقي رجل الحجر بعمامته، فغاص في هامته، فأخذت من النّعال، بما قدم وحدث، ومن الصّفع بما طاب وخبث، وحشرت إلى الحبس، فأقمت عامين في ذلك النّحس، فنذرت أن لا آكل مضيرة ماعشت، فهل أنا في ذا ياهمذان ظالم؟؟

قال عيسى بن هشام: فقبلنا عذره، ونذرنا نذره، وقلنا: قديماً جنت المضيرة على الأحرار، وقدّمت الأرذال على الأخيار.

منـــــــــــقوله
الصور المرفقة
نوع الملف: jpg مôêç‏3.jpg‏ (30.8 كيلوبايت, المشاهدات 12)
__________________
الامــــــALmAsHTaAGـــــارات
الامــــــالمشـــــــتـــاقـــــارات



رد مع اقتباس
 

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302 303 304 305 306 307 308 309 310 311 312 313 314 315 316 317 318 319 320 321 322 323 324 325 326 327 328 329 330 331 332 333 334 335 336 337 338 339 340 341 342 343 344 345 346 347 348 349 350 351 352 353 354 355 356 357 358 359 360 361 362 363 364 365 366 367 368 369 370 371 372 373 374 375 376 377 378 379 380 381 382 383 384 385 386