
في إحدى الجامعات الأمريكية يقف الأستاذ في قاعة المحاضرات أمام طلبته صباحاً، وفي المساء يذهب إلى مطعم مجاور فيعزف أغاني الريف الأمريكي، وقد يكون بين جمهوره واحد أو أكثر من طلبته وطالباته!
هذه ليست حالة عامة، فليس كل أستاذ جامعي أمريكي هو أستاذ في الصباح ومطرب في المساء. لكنني أذكر أن هذه الحالة كانت محلاً للنقاش بين طلبة ذلك الأستاذ، فكان معظم الطلبة الأمريكيين لا يرون بأساً في أن أستاذهم يعزف الأغاني الريفية في مطعم يرتاده عامة الناس.
وما زلت أذكر أن النقاش - الذي بدا لي عجيباً - كان يتركز على مسألة لا علاقة لها بالفن. لقد كان معظم النقاش يدور حول القدرات الابتكارية لذلك الأستاذ في مجال تخصصه، وهو علم الاجتماع. فالذين كانوا يؤيدونه والذين لم يؤيدوه اتفقوا على أنه يتمتع بعقلية ابتكارية تنعكس دائماً على طريقة تدريسه وعلى حيوية الموضوعات والقضايا التي يثيرها في قاعة المحاضرات. لقد كانت محاضراته ممتعة حقاً في أسلوبها وثرية في مضمونها، وكانت شيئاً مختلفاً عن تلك المحاضرات المحنطة التي يلقيها أساتذة آخرون، والتي لم تكن تختلف كثيراً عما يمكن قراءته في كتاب جامعي دونما حاجة إلى تجشم متاعب الحضور إلى قاعة المحاضرات، وخصوصاً في صقيع الشمال الأمريكي، حيث تتجمد الأشياء بعد شهر أكتوبر بقليل.
كان ذلك الأستاذ يحتك بالناس من كل الطبقات في ذلك المطعم، وكان يستمع إلى حديثهم، ويصغى إلى همومهم. وكان يرصد - بعقلية عالم الاجتماع - ما يدور في المجتمع وكيف يتفاعل الناس وكيف تنتقل الإشاعات والأفكار. كان المطعم - بالنسبة له - مختبر أبحاث يجمع فيه عينات البحث ويبدأ في دراستها بدأب وصبر شديدين. فالناس كانوا هم عيناته الحية التي يتعلم منها.
أما المؤكد فهو أن ذلك الأستاذ كان ناجحاً ومحبوباً ومؤثراً. فماذا يريد أي أستاذ أكثر من أن يكون ناجحاً ومحبوباً ومؤثراً؟ لكن سره، بالطبع، لم يكن في أنه كان يؤدي الوصلات الغنائية في مطعم عام، وإنما في كونه أحب مهنته حباً شديداً ــ مهنة التدريس وليس الغناء! ــ لأن الغناء بالنسبة له كان وسيلة لا غاية. وقد دفعه حبه لمهنته ولتخصصه أن وظف مواهبه الفنية من أجل إثراء معرفته بالمجتمع والتقاط ما يدور فيه من هموم واهتمامات ثم تقديم هذه المادة الخصبة إلى طلابه واستثمارها في أبحاثه ودراساته.
وقد لا أحتاج إلى التأكيد بأن المقصود هنا ليس هو دعوة الأساتذة والمعلمين إلى تقليد هذا الأسلوب بالذات، فلكل مجتمع قيمه وعاداته وتقاليده. لكن المقصود - بكل تأكيد - هو الخروج على جمود العملية التعليمية والتربوية كما تؤدى في كثير من الأحيان وكما هي شائعة في الكثير من البيئات.
نحن نريد إنساناً مبدعاً، وقبل ذلك نريد معلماً مبدعاً. فالمعلم المبدع ينثر الإبداع من حوله أينما سار؛ لأنه قدوة، ولأنه قادر على تشكيل العقول وتنمية الميول والاتجاهات والمواهب على نحو إيجابي، عندما يكون متمكناً من تخصصه ومخلصاً في عمله.
إن «الإبداع» هو سر النجاح في هذا الزمان (وربما في كل زمان!). فالأمم المبدعة هي التي تقود العالم حالياً. ومن المؤكد أن الـ «إبداع» هو الذي سيحدد من هم الذين سينالون قصب السبق في هذه المعركة الكبيرة التي تخوضها أمم الأرض وهي مقبلة على قرن جديد. فهل نكون من المبدعين أم نتقوقع على أنفسنا بينما العالم يمضي من حولنا إلى الأمام بهمة لا تعرف الكلل؟!
إنه زمن الإبداع والمبدعين: زمن التفوق على الذات، والإنجاز، والارتقاء بالقدرات. فاختر لنفسك المكان الذي يليق بك: مع المبدعين، أو مع الذين يسيرون في مؤخرة الركب ولا يجيدون سوى الشكوى والتبرم والبحث عن مشاجب يعلقون عليها أخطاءهم!!
منقول...........
تحياتي ... ابويزيد