العنكبوت مهندسة بارعة، حيث تقوم ببناء بيتها من خلال الخيوط الحريرية
الَّتي تنسجها بشكل مُنظَّم ومُحكم، فما إن يخرج لعابهـا من فمها ويلاقي
الهـواء، حتَّى يتجمَّد ويتحوَّل إلى خيوط مرنة مؤلَّفة من شعيرات دقيقة جداً،
هذه الشعيرات تنبع من جسم العنكبوت، وكأن هذا الجسم كتلة متراصَّة من
الينابيع، حيث سرعان ما تنضمُّ هذه الشعيرات لبعضها وتتَّحد لتشكِّل أربع
خيوط متناغمة، وتتَّصف هذه الخيوط باللزوجة، لكي تلتصق بها الحشرات الغريبة،
وتصبح لقمة سائغة للعنكبوت. وتبدأ العنكبوت في نسج
خيوطها بشكل مشابه لعمل النسَّاج، حيث تضع أولاً خطوطاً طولية ثمَّ خطوطاً عرضية،
ويقع بعيداً عن بيتها الَّذي يوصلها به خيط دقيق، يعطيها العلم بأن حشرة ما قد علقت
في شباكها. وإذا قُطعت بعض خيطان هذه الشبكة قبل الغروب لسبب ما، تراها
أعادت نسجها قبل شروق شمس اليوم التالي.
ويتألَّف جسم العنكبوت من قسمين في أحدهما الرأس، وفي الثاني البطن،
وهما مفصولان عن بعضهما بعنيق صغير ممَّا يعطيها المرونة والسرعة في عملية
الغزل، حيث يتوضَّع المغزال في البطن. ومن العناكب نوع
يُعرف بعنكبوت الباب الأفقي، إشارة إلى شكل المخبأ الَّذي يأوي إليه هذا النوع.
فالعنكبوت من هذا النوع تحفر بيتها في الأرض، وتستخدم من أجل ذلك فكَّيها اللذين
تقطع بهما الطين، وتحمله بعيداً عن الحفرة، ثمَّ تكسوها من الداخل بغطاء من الحرير الناعم
الَّذي تقوم بغزله، وإذا تداعى جانب من هذه الحفرة قوَّتْه بنسيج من الحرير ممزوج
بمادَّة صمغيَّة تُساعد على تماسكه، ثمَّ تبني باباً متيناً لسدِّ الحفرة، وتجعل لهذا الباب
مفصلاً لتتمكَّن من الدخول إلى بيتها.. وأحياناً تصنع لنفسها غرفتين ولهما عدَّة أبواب،
حيث تتمكَّن من الاختباء بالداخل دون العثور عليها من الغرباء..
وقد تكون هذه الغرف سفليَّة وعلويَّة، حيث تقبع العنكبوت مختبئة في الغرفة العلويَّة،
منتظرة فريسـتها حتَّى تدخل إلى الغرفة الأولى، حيث تصل فتحة مسكنها بأنبوبة
حريرية طويلة، تُشعرِها بدخول الفريسة..