لا تزال " الشغالة " تشكل بؤرة توتر وإشكال في المجتمع الإسلامي ، وخصوصًا في المجتمعات الخليجية ، وكثيرًا ما تجاذب هذه المشكلة رؤيتان متناقضتان ؛ بين مؤيد ومعارض .
يجب التساؤل في سياق الحديث عن " وجود الخادمة "هل يعتبر الحرص على وجودها تلبية لرغبة "سيادة " كامنة في نفس المرأة صاحبة المنزل تسعى لممارستها ، أم يكون قناعًا "مختلفًا" لكسل الزوجة وتقاعسها عن أداء مهامها ؟ وبعيدًا عن كل ذلك هل هنالك "صلة ما " بين انتشار الخادمات وخروج المرأة للعمل ؟ أسئلة كثيرة كنا نود أن نبحثها بعمق .
يسعى المؤيدون لضرورة وجود الخادمة إلى التأكيد على فكرة " المساعدة " لسيدة البيت في القيام بمهامها ؛ ما يعود على الأسرة بالنفع من خلال تلبية احتياجاتها ، كما يصبح بمقدور الزوجة التفرغ للزوج ومتابعة الأبناء ؛ فضلاً عن فوائد تقتضيها الظروف الخاصة كالمرض أو نحوه .
لكن هذا التبرير يحتوي على قدر كبير من التبسيط والاختزال ؛ إذ إنه يغض الطرف عن الإشكاليات التي يحدثها وجود "الخادمة" ؛ بدءًا من مشكلة "الاختلاط" سواء بوجود الخادم أم الخادمة ؛ وهو لا يمكن تجنبه في كلا الحالين ؛ لأنه يتنافى مع طبيعة المهنة نفسها ؛ الأمر الذي أدى في كثير من الأسر إلى تجاهل أو تناسي "غربة" الخادمة أو الخادم والتعامل معها/معه على أنه واحد من أفراد الأسرة من حيث كشف المستور ، والبوح بالأسرار على مسمع منها !
هذا الاختلاط يجرنا إلى معضلة "تربية الأبناء" (إما بالمباشرة أو بالتجاور والمشاهدة) تربية مختلفة إما ثقافياً أو دينيًا أو اجتماعيًا أو كلها معًا ؛ لأن فئة الخادمات والسائقين ، عادة ما تكون من فئة ذوي التعليم المحدود، أو من ذوات التنشئة غير المَرْضية ، بل إن الاعتماد على الخادمة يساهم في إشاعة "الكسل" في أفراد الأسرة وعدم تحمل المسؤولية نتيجة الاتكال على الغير دائماً ؛ الأمر الذي يتحول إلى ما يشبه حالة "الشلل" في حال غياب الخادمة ! فضلاً عن أنه كثيرًا ما يسبب جهالة البنات في الأمور المنزلية لكنهن لا يدركن ذلك إلا حين يتزوجن .
كما يجرنا إلى مخاطر أخلاقية نتيجة إلغاء الحواجز النفسية والاجتماعية وغيرها ؛ الأمر الذي ربما يفضي إلى إفشاء أسرار البيوت أو محاولات الابتزاز أو السرقة أو نحو ذلك . فضلاً عن مخاطر "الدعارة المقنعة" بستار الخادمات !
مشكلة أخرى "قيمية" نقع بها جراء استقدام الخادمات وقيام شركات متخصصة بذلك ؛ الأمر الذي يذكر بمرحلة المتاجرة بالعبيد في مرحلة الرق ، والأمر الأخطر أن بعض الأسر تتناسى أو تتجاهل "آدمية " الخادمة فتعاملها بدونية بغيضة رؤية وسلوكاً .
وتأتي الإحصائيات لتؤكد فداحة المشكلة وتغلغلها في مجتمعاتنا ؛ حيث تبين أن 3% من العمالة المنزلية فقط من الدول العربية ، في حين أن 97% هي عمالة غير عربية.
وفي إحدى الدراسات الإحصائية تبين أن هناك 77% من الأسرفي السعودية لديها خادمة في البيت.
أما في قطر فإن 16% من سكان البلد من المستقدمين للخدمة في البيوت . بل إنهم يتكلمون لغتهم الأصلية بدلاً من العربية ، وهناك إحصائية تقول : إن 78% من العينة المدروسة أجابت بأنها تفهم كلام الخادمات بلغتهم الأصلية !
وفي الكويت هناك مائتا ألف خادم لمليوني شخص !
إن الذين يلحون على وجود الخادمة ، وتسيطر عليهم فكرة الحاجة إلى "مساعدة" ، لا بد أن يَعوا ، وبالدرجة نفسها ، أن هذه الخادمة إنسانة لها حقوق إنسانية وشرعية عليهم تأمينها ومراعاتها بدءًا من السكن المناسب إلى المعاملة والإحسان إليها ، ومنحها الثقة والأمان .
من الحلول المعالجة لهذه المشاكل - تعاون أفراد الأسرة على خدمة أنفسهم قدر الإمكان وتوزيع المسؤوليات ، وعدم تقليد الأغنياء في استقدام الخادمات ، واقتصار استقدامهن في حالة الضرورة القصوى فقط. وتشكيل لجنة اجتماعية تقرر مدى الحاجة إلى استقدامهن.