الاهتمام بشهر رمضان كان سمة السلف الصالح من هذه الأمة .. لما له من الفضائل على غيره من الشهور .. و من ذلك :
( 1 ) أن الله تعالى أضاف الصيام إلى نفسه ، و كفى بذلك شرفاً ، فقال الله تعالى في الحديث القدسي : { الصوم لي و أنا أجزي به } .
( 2 ) يؤدي إلى تحقيق التقوى .. يقول الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون
و يقول النبي صلى الله عليه وسلم : { الصوم جنة } أي وقاية .
و يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : { فعليه بالصوم فإنه له وجاء } أي حاجز و مانع و واق .
( 3 ) عظم الأجر المترتب على الصيام : يقول النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله تعالى يقول : { كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي و أنا أجزي به } أي الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، إلا الصوم فلا يعلم مقدار جزاء صاحبه إلا الله تعالى .
( 4 ) خلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك .
( 5 ) لله تعالى في كل ليلة من ليالي رمضان له عتقاء من النار .
( 6 ) فتح أبواب الجنة و إغلاق أبواب النار يقول النبي صلى الله عليه وسلم : { إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة و غلقت أبواب النار و صفدت الشياطين }
( 7 ) تكفير الذنوب و الخطايا و التجاوز عن السيئات : يقول النبي صلى الله عليه وسلم :
{ الجمعة إلى الجمعة ، و العمرة إلى العمرة ، و رمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن ما لم تؤت كبيرة } و يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من صام رمضان إيماناً و احتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه }
( 8 ) باب الريان الذي أعده الله تعالى للصائمين لا يدخل منه غيرهم فإذا دخلوا أغلق بعدهم ..
التواصل في الدروس الرمضانية .. و منها التربية على الخلق الكريم .. فالمسلم في رمضان يلتزم بالخلق الكريم و يحرص عليه لئلا يؤدي البعد عن ذلك إلى إفساد صيامه أو تنقيص أجره .. يقول النبي صلى الله عليه وسلم : { إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث و لا يجهل فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم }
و يقول النبي صلى الله عليه وسلم : { من لم يدع قول الزور و العمل به و الجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه و شرابه }
قال جابر رضي الله عنه : إذا صمت فليصم سمعك و بصرك و لسانك عن الكذب
و المحارم و دع عنك أذى الجار و ليكن عليك وقار و سكينة و لا يكن يوم صومك و يوم فطرك سواء ..
يقول أحد الشعراء :
صيام العارفين له حنين *** إلى الرحمن رب العالمينا
تصوم قلوبهم في كل حين *** و بالأسحار هو يستغفرونا
الحمد لله .. الحمد لله الذي جعل الليل و النهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً من ذوي الألباب ، و الحمد لله الذي جعل الشمس ضياءً و القمر نوراً و قدره منازل لتعلموا عدد السنين و الحساب .
و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له منه المبتدأ ، و إليه المنتهى و المآب .
و أشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده و رسوله أفضل من تعبد لله و أناب ..
صلوات الله و سلامه عليه و على آله و أتباعه إلى يوم الحساب .. أما بعد :
فيا اخوة الإسلام .. أوصي نفسي و إياكم بتقوى الله تعالى التقوى التي تعني و يراد بها : الخوف من الجليل و العمل بالتنزيل و الرضا بالقليل و الاستعداد ليوم الرحيل و قد قال الله تعالى : يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت و تضع كل ذات حمل حملها و ترى الناس سكارى و ما هم بسكارى و لكن عذاب الله شديد
عباد الله .. لنا في هذا اليوم المبارك وقفات مع حادثة الكسوف :
الوقفة الأولى : دلالة الحادثة على قدرة الله تعالى : يقول الله تعالى : و جعلنا الليل و النهار آيتين فمحونا آية الليل و جعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم و لتعلموا عدد السنين و الحساب و كل شيء فصلناه تفصيلاً
و قال الله تعالى : قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون
فدلت حادثة الكسوف على قدرة الله تعالى في هذا الكون ..
كما تدل على إعجاز الله تعالى فقد قال الله تعالى : هو الذي جعل الشمس ضياءً و القمر نوراً
قال الله تعالى عن الشمس : ضياءً : أي مصدراً للضوء ،
و قال الله تعالى عن القمر : نوراً : أي عاكساً لضوء الشمس ،
هذا ما ذكره الله تعالى لنا في كتابه الكريم منذ أربعة عشر قرناً ، ثم يأتي علماء الفلك في هذا العصر ، فيثبتون هذه الحقيقة العلمية التي ذكرها الله تعالى في كتابه فتبارك الله أحسن الخالقين .
الوقفة الثانية : اللجوء إلى الله تعالى في مثل هذه الحوادث : كسفت الشمس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فأمر المسلمين بالتوجه إلى الله تعالى بالتضرع و الدعاء و الصلاة ..
و كانت عادة النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر أن يلجأ إلى الصلاة ! لماذا ؟ لجوءً إلى الله تعالى مسبب الأسباب و قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إن الشمس و القمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد و لا لحياته ، فإذا رأيتم ذلك فصلوا و ادعوا الله حتى ينكشف ما بكم } .
عباد الله .. جاءت الوصية بالصلاة و اللجوء إلى الله تعالى و الدعاء و الاستغفار ، لا الهرب إلى البيوت و لزومها و عدم الخروج منها ..
عباد الله .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ما نزل بلاء إلا بذنب و لا رفع إلا بتوبة } .
الوقفة الثالثة : التذكير بالآخرة و أهوالها : تذكرنا هذه الحادثة بما سيحدث في يوم القيامة من تكوُّر الشمس ، و خسف القمر ، و طمس النجوم ، و تشقق السماء ، و نسف الجبال ، و تفجر البحار ، و حشر الخلائق بين يدي الله تعالى .. يقول الله تعالى : فإذا برق البصر و خَسَفَ القمر و جمع الشمس و القمر يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم و أخر و يقول الله تعالى : إذا الشمس كوِّرت و إذا النجوم انكدرت و إذا الجبال سيِّرت
و يقول الله تعالى : إذا السماء انفطرت و إذا الكواكب انتثرت .
الحديث عن صفة من صفات المؤمنين .. ذكرها الله تعالى في قوله :
(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه )
اعظم من اتصف بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .. عرف بذلك في مكة .. الصادق الأمين .. لو أخبرتكم أن وراء الجبل خيلاً تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي ؟ قالوا : بلى ما جربنا عليك كذباً ..
قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أيكون المؤمن جباناً ؟ قال: نعم قيل : أيكون كاذباً ؟ قال : لا .
و قال النبي صلى الله عليه وسلم :{ إن الصدق يهدي إلى البر و إن البر يهدي إلى الجنة و إن الرجل ليصدق حتى يكون عند الله صديقاً .. و إن الكذب يهدي إلى الفجور و إن الفجور يهدي إلى النار و إن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً }
و نهى الإسلام عن الكذب حتى في الحلم { من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعرتين و لن يفعل } قال ابن حجر : و ذلك ليطول عذابه في النار لأن عقده بين طرفي الشعرة غير ممكن ..
أنواع الصدق :
1 / صدق النية : { إنما الأعمال بالنيات }
2 / صدق العهد : ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه )
3 / صدق الشخصية : في المسجد و السوق و البيت و في السفر و الحضر .
1 / تقوية الإيمان و رسوخه : قال الله تعالى : ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله و رسوله ثم لم يرتابوا و جاهدوا بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ) صدقوا بالإيمان ثم صدقوا فيه .
و قال الله تعالى : ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلاً ليجزي الصادقين بصدقهم و يعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفوراً رحيماً ) .
أنس بن النضر رضي الله عنه لم يشهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وسلم فشق عليه ذلك ..
فقال : أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه ! لئن أراني الله تعالى مشهداً فيما بعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله ما أصنع .. و في يوم أحد رآه سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال له : واهاً لريح الجنة إني أجده دون أحد . فقاتل حتى قتل ؛ فوجدوا في جسده بضعاً و ثمانين جرحاً بين ضربة سيف و طعنة رمح و رمية سهم ! فلم تعرفه إلا أخته من بنانه .
2 / علو منزلة المتصفين به عند الله تعالى : فهم بعد النبيين و فوق الشهداء ..
قال الله تعالى : ( و من يطع الله و الرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقاً )
و قال النبي صلى الله عليه وسلم مخاطباً جبل أحد لما اهتز : اثبت أحد فإنما عليك نبي و صديق و شهيد ..
3 / استقامة الظاهر : فلا يرى إلا في خير و البعد عن مواطن الشبه ..
و في الدعاء : ( و قل رب أدخلني مدخل صدق و أخرجني مخرج صدق ) أي أمر يستحق أن يقال للداخل فيه صادق و للخارج منه صادق .
4 / العز و الرفعة في الدنيا : قال أحد الحكماء : الصدق عز و الكذب خضوع . و قال آخر : الصدق عز و إن كان فيه ما تكره .
5 / النجاة من الأخطار : الصدق منجيك و إن خفته و الكذب مرديك و إن أمنته .. و في الحديث النبوي الشريف : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة و الكذب ريبة . و من ذلك الغلام و وصية أمه له بالصدق ..
6 / البركة في الرزق : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا و بينا بورك لهما في بيعهما و إن كتما و كذبا محقت بركة بيعهما .
عندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بدأ بأهم الأعمال في تأسيس الدولة .. و كان منها المؤاخاة بين المهاجرين و الأنصار ..
الأخوة يا عباد الله .. هي تلك الآصرة التي عقد الله تعالى لواءها بين المسلمين (و ألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم و لكن الله ألف بينهم )
فضلها : { سبعة يضلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله .. و رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه و تفرقا عليه } { المتحابون بجلالي على منابر }
حقوق هذه الأخوة :
{ مثل المؤمنين في توادهم و تراحمهم } { المسلم أخو المسلم لا يظلمه و لا يسلمه من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته و من فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة و من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة } { المسلم أخو المسلم لا يخونه و لا يكذبه و لا يخذله كل المسلم على المسلم حرام عرضه و ماله و دمه التقوى هاهنا و يشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم }
{ لا تحاسدوا و لا تناجشوا و لا تباغضوا و لا تدابروا و لا يبع بعضكم على بيع بعض و كونوا عباد الله إخواناً } { حق المسلم على المسلم ست : إذا لقيته فسلم عليه و إذا دعاك فأجبه و إذا استنصحك فانصح له و إذا عطس فحمد الله فشمته و إذا مرض فعده و إذا مات فاتبعه }
الاهتمام بهذه الحقوق ..
الحمد لله الذي أمرنا بالبر و الصلة ، و نهانا عن العقوق ، و جعل حق المسلم على المسلم من آكد الحقوق ، و جعل للجار حقاً على جاره ، و إن كان من أهل الكفر و الفسوق ، نحمده تعالى و به الوثوق ؛
و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، هو الخالق و كل شيء سواه مخلوق ؛ و أشهد أن سيدنا محمداً عبده و رسوله الصادق المصدوق ، اللهم فصل و سلم على سيدنا محمدٍ الناطق بأفضل منطوق ، صلى الله عليه و على صحبه المؤدين للحقوق ، و على التابعين لهم بإحسان من سابق و مسبوق .. أما بعد :
فيا عباد الله .. أوصي نفسي و إياكم بتقوى الله تعالى التي تعني و يراد بها الخوف من الجليل ، و العمل بالتنزيل ، و الرضا بالقليل ، و الاستعداد ليوم الرحيل .
و قد قال الله تعالى : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و بث منهما رجالاً كثيراً و نساءً و اتقوا الله الذي تساءلون به و الأرحام إن الله كان عليكم رقيباً )
ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو جاره .. فقال : اذهب فاصبر فأتاه مرتين أو ثلاثا .. فقال : اذهب فاطرح متاعك في الطريق .. فطرح متاعه في الطريق .. فجعل الناس يسألونه فيخبرهم خبره فجعل الناس يلعنونه فعل الله به وفعل و فعل فجاء إليه جاره .. فقال له : ارجع لا ترى مني شيئا تكرهه . أخرجه أبو داود و قال الألباني حديث حسن صحيح .
و لذلك جاءت الوصية بالجار .. قال النبي صلى الله عليه وسلم :{ ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه } { من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليكرم جاره } و في رواية { فلا يؤذ جاره } و قال النبي صلى الله عليه وسلم { و الله لا يؤمن و الله لا يؤمن و الله لا يؤمن قيل يا رسول الله : خاب و خسر .. من يا رسول الله ؟ قال : من لا يأمن جاره بوائقه } ..
و عندما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن المرأة التي كانت تصوم النهار و تقوم الليل و تؤذي جيرانها قال : لا خير فيها هي من أهل النار . و يقول النبي صلى الله عليه وسلم : { المؤمن من أمنه الناس ، و المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده ، و المهاجر من هجر السوء ، و الذي نفسي بيده لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه }
اخوة الإسلام .. كما جاءت الوصية بالسؤال عن الجار و تفقد شؤونه ..
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ما آمن بي من بات شبعان و جاره جائع إلى جنبه و هو يعلم } ..
و يوصي النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل أبو ذر رضي الله عنه فيقول له : إذا طبخت قدراً فأكثر ماءها ثم انظر بعض أهل بيت في جيرانك فاغرف لهم منها ..
عباد الله .. قيل : أربع من السعادة : المرأة الصالحة ، و المسكن الواسع ، و الجار الصالح ، و المركب الهنيء ؛ و أربع من الشقاوة : الجار السوء ، و المرأة السوء ، و المسكن الضيق .
أخي المسلم .. اتق المحارم تكن أعبد الناس ، و ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس ، و أحسن إلى جارك تكن مؤمناً ، و أحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلماً ، و لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب .. و استغفروا الله إنه هو الغفور الرحيم .