قصه لها عبرة
قصه تبكي لمن له قلب؟؟
>>
>>---------------------------------
>>
>>
>>
>>
>>السلام عليكم ورحمه الله وبركاته....
>>
ما زلت أذكر حين أنجبت زوجتي أوّل أبنائي ولم أكن تجاوزت الثلاثين.
>>تلك الليلة .. بقيت إلى آخر الليل مع الشّلة في إحدى الاستراحات ..
>>كانت سهرة مليئة بالكلام الفارغ .. بل بالغيبة والتعليقات المحرمة ...
>>كنت أنا الذي أتولى في الغالب إضحاكهم .. وغيبة الناس .. وهم يضحكون
>>..
>>أذكر ليلتها أنّي أضحكتهم كثيراً..
>>كنت أمتلك موهبة عجيبة في التقليد ..
>>بإمكاني تغيير نبرة صوتي حتى تصبح قريبة من الشخص الذي أسخر منه ..
>>أجل كنت أسخر من هذا وذاك .. لم يسلم أحد منّي حتى أصحابي ..
>>صار بعض الناس يتجنّبني كي يسلم من لساني ...
>>أذكر أني تلك الليلة سخرت من أعمى رأيته يتسوّل في السّوق... والأدهى
>>أنّي وضعت قدمي أمامه فتعثّر وسقط يتلفت برأسه لا يدري ما يقول ..
>>وانطلقت ضحكتي تدوي في السّوق ..
>>عدت إلى بيتي متأخراً كالعادة ..
>>وجدت زوجتي في انتظاري .. كانت في حالة يرثى لها ..
>>قالت بصوت متهدج : راشد .. أين كنتَ ؟
>>قلت ساخراً : في المريخ .. عند أصحابي بالطبع ..
>>كان الإعياء ظاهراً عليها .. قالت والعبرة تخنقها: راشد… أنا تعبة
>>جداً .. الظاهر أن موعد ولادتي صار وشيكا ..
>>سقطت دمعة صامته على خدها ..
>>أحسست أنّي أهملت زوجتي ..
>>كان المفروض أن أهتم بها وأقلّل من سهراتي .. خاصة أنّها في شهرها
>>التاسع ..
>>حملتها إلى المستشفى بسرعة ..
>>دخلت غرفة الولادة .. جعلت تقاسي الآلام ساعات طوال ..
>>كنت أنتظر ولادتها بفارغ الصبر .. تعسرت ولادتها .. فانتظرت طويلاً
>>حتى تعبت .. فذهبت إلى البيت ..
>>وتركت رقم هاتفي عندهم ليبشروني ..
>>بعد ساعة .. اتصلوا بي ليزفوا لي نبأ قدوم سالم ..
>>ذهبت إلى المستشفى فوراً ..
>>أول ما رأوني أسأل عن غرفتها ..
>>طلبوا منّي مراجعة الطبيبة التي أشرفت على ولادة زوجتي ..
>>صرختُ بهم : أيُّ طبيبة ؟! المهم أن أرى ابني سالم ..
>>قالوا .. أولاً .. راجع الطبيبة ..
>>دخلت على الطبيبة .. كلمتني عن المصائب .. والرضى بالأقدار ..
>>ثم قالت : ولدك به تشوه شديد في عينيه ويبدوا أنه فاقد البصر !!
>>خفضت رأسي .. وأنا أدافع عبراتي .. تذكّرت ذاك المتسوّل الأعمى ..
>>الذي دفعته في السوق وأضحكت عليه الناس ..
>>سبحان الله كما تدين تدان ! بقيت واجماً قليلاً .. لا أدري ماذا أقول
>>.. ثم تذكرت زوجتي وولدي ..
>>فشكرت الطبيبة على لطفها .. ومضيت لأرى زوجتي ..
>>لم تحزن زوجتي .. كانت مؤمنة بقضاء الله .. راضية .. طالما نصحتني أن
>>أكف عن الاستهزاء بالناس ..
>>كانت تردد دائماً .. لا تغتب الناس ..
>>خرجنا من المستشفى .. وخرج سالم معنا ..
>>في الحقيقة .. لم أكن أهتم به كثيراً..
>>اعتبرته غير موجود في المنزل ..
>>حين يشتد بكاؤه أهرب إلى الصالة لأنام فيها ..
>>كانت زوجتي تهتم به كثيراً .. وتحبّه كثيراً ..
>>أما أنا فلم أكن أكرهه .. لكني لم أستطع أن أحبّه !
>>كبر سالم .. بدأ يحبو .. كانت حبوته غريبة ..
>>قارب عمره السنة فبدأ يحاول المشي .. فاكتشفنا أنّه أعرج ..
>>أصبح ثقيلاً على نفسي أكثر ..
>>أنجبت زوجتي بعده عمر وخالداً ..
>>مرّت السنوات .. وكبر سالم .. وكبر أخواه ..
>>كنت لا أحب الجلوس في البيت .. دائماً مع أصحابي ..
>>في الحقيقة كنت كاللعبة في أيديهم ..
>>لم تيأس زوجتي من إصلاحي..
>>كانت تدعو لي دائماً بالهداية .. لم تغضب من تصرّفاتي الطائشة ...
>>لكنها كانت تحزن كثيراً إذا رأت إهمالي لسالم واهتمامي بباقي إخوته ..
>>كبر سالم .. وكبُر معه همي ..
>>لم أمانع حين طلبت زوجتي تسجيله في أحدى المدارس الخاصة بالمعاقين ..
>>لم أكن أحس بمرور السنوات .. أيّامي سواء .. عمل ونوم وطعام وسهر ..
>>في يوم جمعة ..
>>استيقظت الساعة الحادية عشر ظهراً..
>>ما يزال الوقت مبكراً بالنسبة لي .. كنت مدعواً إلى وليمة ..
>>لبست وتعطّرت وهممت بالخروج ..
>>مررت بصالة المنزل .. استوقفني منظر سالم .. كان يبكي بحرقة !
>>إنّها المرّة الأولى التي أنتبه فيها إلى سالم يبكي مذ كان طفلاً ..
>>عشر سنوات مضت .. لم ألتفت إليه .. حاولت أن أتجاهله .. فلم أحتمل ..
>>كنت أسمع صوته ينادي أمه وأنا في الغرفة ..
>>التفت .. ثم اقتربت منه .. قلت : سالم ! لماذا تبكي ؟!
>>حين سمع صوتي توقّف عن البكاء .. فلما شعر بقربي ..
>>بدأ يتحسّس ما حوله بيديه الصغيرتين .. ما بِه يا ترى؟!
>>اكتشفت أنه يحاول الابتعاد عني !!
>>
>>وكأنه يقول : الآن أحسست بي .. أين أنت منذ عشر سنوات ؟!
>>تبعته .. كان قد دخل غرفته ..
>>رفض أن يخبرني في البداية سبب بكائه ..
>>حاولت التلطف معه ..
>>بدأ سالم يبين سبب بكائه .. وأنا أستمع إليه وأنتفض ... تدري ما السبب
>>!!
>>تأخّر عليه أخوه عمر .. الذي اعتاد أن يوصله إلى المسجد ..
>>ولأنها صلاة جمعة .. خاف ألاّ يجد مكاناً في الصف الأوّل ...
>>نادى عمر .. ونادى والدته .. ولكن لا مجيب .. فبكى .. أخذت أنظر إلى
>>الدموع تتسرب من عينيه المكفوفتين ..
>>لم أستطع أن أتحمل بقية كلامه ..
>>وضعت يدي على فمه .. وقلت : لذلك بكيت يا سالم !!..
>>قال : نعم ..
>>نسيت أصحابي .. ونسيت الوليمة .. وقلت :
>>سالم لا تحزن .. هل تعلم من سيذهب بك اليوم إلى المسجد؟ ..
>>قال : أكيد عمر .. لكنه يتأخر دائماً ..
>>قلت : لا .. بل أنا سأذهب بك ..
>>دهش سالم .. لم يصدّق .. ظنّ أنّي أسخر منه .. استعبر ثم بكى ..
>>مسحت دموعه بيدي .. وأمسكت يده ..
>>أردت أن أوصله بالسيّارة .. رفض قائلاً : المسجد قريب .. أريد أن أخطو
>>إلى المسجد .. - إي والله قال لي ذلك - ..
>>لا أذكر متى كانت آخر مرّة دخلت فيها المسجد ..
>>لكنها المرّة الأولى التي أشعر فيها بالخوف .. والنّدم على ما فرّطته
>>طوال السنوات الماضية ..
>>كان المسجد مليئاً بالمصلّين .. إلاّ أنّي وجدت لسالم مكاناً في الصف
>>الأوّل ..
>>استمعنا لخطبة الجمعة معاً وصلى بجانبي .. بل في الحقيقة أنا صليت
>>بجانبه ..
>>بعد انتهاء الصلاة طلب منّي سالم مصحفاً ..
>>استغربت !! كيف سيقرأ وهو أعمى ؟
>>كدت أن أتجاهل طلبه .. لكني جاملته خوفاً من جرح مشاعره .. ناولته
>>المصحف ...
>>طلب منّي أن أفتح المصحف على سورة الكهف..
>>أخذت أقلب الصفحات تارة .. وأنظر في الفهرس تارة .. حتى وجدتها ..
>>أخذ مني المصحف .. ثم وضعه أمامه .. وبدأ في قراءة السورة .. وعيناه
>>مغمضتان ..
>>يا الله !! إنّه يحفظ سورة الكهف كاملة !!
>>خجلت من نفسي.. أمسكت مصحفاً ..
>>أحسست برعشة في أوصالي.. قرأت .. وقرأت..
>>دعوت الله أن يغفر لي ويهديني ..
>>لم أستطع الاحتمال .. فبدأت أبكي كالأطفال ..
>>كان بعض الناس لا يزال في المسجد يصلي السنة ... خجلت منهم .. فحاولت
>>أن أكتم بكائي .. تحول البكاء إلى نشيج وشهيق ..
>>لم أشعر إلاّ بيد صغيرة تتلمس وجهي .. ثم تمسح عنّي دموعي ..
>>إنه سالم !! ضممته إلى صدري ..
>>نظرت إليه .. قلت في نفسي .. لست أنت الأعمى .. بل أنا الأعمى .. حين
>>انسقت وراء فساق يجرونني إلى النار ..
>>عدنا إلى المنزل .. كانت زوجتي قلقة كثيراً على سالم ..
>>لكن قلقها تحوّل إلى دموع حين علمت أنّي صلّيت الجمعة مع سالم ..
>>من ذلك اليوم لم تفتني صلاة جماعة في المسجد ..
>>هجرت رفقاء السوء .. وأصبحت لي رفقة خيّرة عرفتها في المسجد..
>>ذقت طعم الإيمان معهم ..
>>عرفت منهم أشياء ألهتني عنها الدنيا ..
>>لم أفوّت حلقة ذكر أو صلاة الوتر ..
>>ختمت القرآن عدّة مرّات في شهر ..
>>رطّبت لساني بالذكر لعلّ الله يغفر لي غيبتي وسخريتي من النّاس ..
>>أحسست أنّي أكثر قرباً من أسرتي ..
>>اختفت نظرات الخوف والشفقة التي كانت تطل من عيون زوجتي ..
>>الابتسامة ما عادت تفارق وجه ابني سالم ..
>>من يراه يظنّه ملك الدنيا وما فيها ..
>>حمدت الله كثيراً على نعمه ..
>>ذات يوم ... قرر أصحابي الصالحون أن يتوجّهوا إلى أحدى المناطق
>>البعيدة للدعوة ..
>>تردّدت في الذهاب.. استخرت الله .. واستشرت زوجتي ..
>>توقعت أنها سترفض ... لكن حدث العكس !
>>فرحت كثيراً .. بل شجّعتني ..فلقد كانت تراني في السابق أسافر دون
>>استشارتها فسقاً وفجوراً ..
>>توجهت إلى سالم .. أخبرته أني مسافر .. ضمني بذراعيه الصغيرين مودعاً
>>..
>>تغيّبت عن البيت ثلاثة أشهر ونصف ..
>>كنت خلال تلك الفترة أتصل كلّما سنحت لي الفرصة بزوجتي وأحدّث أبنائي
>>.. اشتقت إليهم كثيراً .. آآآه كم اشتقت إلى سالم !!
>>تمنّيت سماع صوته .. هو الوحيد الذي لم يحدّثني منذ سافرت ..
>>إمّا أن يكون في المدرسة أو المسجد ساعة اتصالي بهم ..
>>كلّما حدّثت زوجتي عن شوقي إليه .. كانت تضحك فرحاً وبشراً ..
>>إلاّ آخر مرّة هاتفتها فيها .. لم أسمع ضحكتها المتوقّعة .. تغيّر
>>صوتها ..
>>قلت لها : أبلغي سلامي لسالم .. فقالت : إن شاء الله .. وسكتت ..
>>أخيراً عدت إلى المنزل .. طرقت الباب ..
>>تمنّيت أن يفتح لي سالم ..
>>لكن فوجئت بابني خالد الذي لم يتجاوز الرابعة من عمره ..
>>حملته بين ذراعي وهو يصرخ : بابا .. بابا ..
>>لا أدري لماذا انقبض صدري حين دخلت البيت ..
>>استعذت بالله من الشيطان الرجيم ..
>>أقبلت إليّ زوجتي .. كان وجهها متغيراً .. كأنها تتصنع الفرح ..
>>تأمّلتها جيداً .. ثم سألتها : ما بكِ؟
>>قالت : لا شيء ..
>>فجأة تذكّرت سالماً .. فقلت .. أين سالم ؟
>>خفضت رأسها .. لم تجب .. سقطت دمعات حارة على خديها ...
>>صرخت بها .. سالم .. أين سالم ..؟
>>لم أسمع حينها سوى صوت ابني خالد .. يقول بلغته : بابا .. ثالم لاح
>>الجنّة .. عند الله..
>>لم تتحمل زوجتي الموقف .. أجهشت بالبكاء .. كادت أن تسقط على الأرض ..
>>فخرجت من الغرفة ..
>>عرفت بعدها أن سالم أصابته حمّى قبل موعد مجيئي بأسبوعين ..
>>فأخذته زوجتي إلى المستشفى ..
>>فاشتدت عليه الحمى .. ولم تفارقه .. حتى فارقت روحه جسده ..
(هذا الرجل يقول انه مازال يذكر صوت ابنه خالد حين قال له ان سالم قد فارق الحياة و هذا الرجل اصبح من اشهر الدعاه .)
|