|
الوضع في الحديث النبوي الشريف
إن الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له ، ومن يُضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم - .
أما بعد: فإنّ معرفة السُّنَّة النّبوية من الواجبات ؛ لأنها المبيِّنة لكتاب الله تبارك وتعالى ، الذي هو المصدر الرئيسي للتشريع ، ولما كانت السُّنَّة النّبوية المبنية على الأحاديث الشريفة دَخَلَ فيها كثير من الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي عكرت صفاء الدّين ، وجب البحث والنّظر في حال تلك الأحاديث ؛ لتمييزها ، والوقوف على صحيحها من سقيمها ، فيعمل بالصحيح ويُردّ السقيم الموضوع ؛ لأنه ليس من الدّين ، بل دخيل عليه ، وقد انبرى العلماء في نخل تلك الأحاديث وتميزها ، فصنّف نقاد الحديث الكتب التي تعين على الوقوف على صحة الحديث من عدمه ، فألفوا في الجرح والتعديل ، وألفوا في الضعيف والموضوع ، فلم يتركوا شيء إلاّ ألفوا فيه ، فقد تركوا لنا قواعد وفنون نعرف من خلالها صحة الحديث من سقيمه .
وبعد ؛ فهذا تعريف موجز بالموضوع في الحديث النبوي ، من حيث : تعريفه ، مراتبه ، صيغه ، حكمه، أسبابه ، محاربته ، معرفته ، مؤلفاته ، وقد اتخصرته من بحث موطول لي ، فالمقام للتّعريف الوجيز لا للتّطويل .
أولاً : تعريف الوضع :
-----------------
لغة : اسم مفعول من وضَعَ الشيءَ يَضَعه بالفتحِ وَضْعاً (1) ، والوضع ضدّ الرّفع (2) .
وله عدة معانٍ :
الحطُّ ، يقال : (( مَوْضوعاً حَطَّهُ ، وعنه حَطَّ من قَدْرِهِ ، وعن غَريمِهِ نَقَصَ مِمَّا لَهُ عليه شَيْئاً ... والوَضيعُ : المَحْطُوطُ القَدْرِ )) (3) .
الإسقاط ، يقال : (( وعُنُقَهُ ضَرَبَها ، والجِنايَةَ عنه أسْقَطَها )) (4) .
الإلصاق : قال ابن دحية (ت633هـ) : (( الموضوع : الملصق ، يقال : وضع فلان على فلان عاراً إذا ألصقه به ، والوضع أيضاً : الحطّ ، والإسقاط )) (5) .
الاختلاق : وضَعَ الشيءَ وَضْعاً : اخْتَلَقَه (6) ، والأحاديثُ المَوْضوعةُ : المُخْتَلَقَةُ (7) .
فيكون معناه : الحديث المُنْحَطُّ ، أو المُسْقَطُ ، أو المُلْصَقُ ، أو المُخْتَلَقُ (8) .
اصطلاحاً : هو المكذوب ، ويقال له : المختلق المصنوع (9) المفترى على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (10) .
ثانياً : مراتب الأحاديث الموضوعة :
--------------------------
قال الذهبي (ت748هـ) – رحمه الله – بعد أن عرّف الموضوع : (( وهو مراتب :
منه : ما اتفقوا على أنه كَذِب ، ويُعرَفُ ذلك بإقرار واضعِه ، وبتجربةِ الكذبِ منه ، ونحوِ ذلك .
ومنه : ما الأكثرون على أنه موضوع ، والآخَرُون يقولون : هو حديثٌ ساقطٌ مطروح ، ولا نَجسُرُ أن نُسمَّيَه موضوعاً .
ومنه : ما الجمهورُ على وَهْنِه وسُقوطِه ، والبعضُ على أنه كذِب )) (11) .
والحكمة من هذه المراتب : الدلالة على مدى إنصاف العلماء في إعطاء كل ذي حق حقه ، ولو كان الكل ساقطاً ، فذلك من العدل الذي أمر به المسلمون ، والعلماء أولى به من غيرهم ، ففاوتوا بين الدرجات ، وإن كانت في السيئات (12) .
الهامش
----------------
(1) تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة ، لأبي الحسن علي بن محمد بن عرّاق الكناني ، تح :عبد الوهاب عبد اللطيف ، وعبد الله بن محمد الغماري ، درا الكتب العلمية ، بيروت ، ط : 2 ، سنة 1981م ، (1/5) .
(2) لسان العرب ، ابن منظور الأفريقي ، دار الحديث ، القاهرة ، سنة 1423هـ - 2003م ، مادة ( وضع ) ، (9/329) .
(3) القاموس المحيط ، مجد الدين الفيروزآبادي ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، ط : 6 ، سنة 1419هـ - 1998م ، مادة ( وضع ) ، ص (771) .
(4) المصدر السابق .
(5) أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب ، لابن دحية ، تح : جمال عزون ، مؤسسة الريّان ، بيروت ، ص (204) .
(6) لسان العرب ، مصدر سابق ، (9/330) .
(7) القاموس المحيط ، مصدر سابق ، ص (772) .
(8) الوضع في الحديث ، د.عمر بن حسن فلاتة ، مكتبة الغزالي ، دمشق ، ومؤسسة مناهل العرفان ، بيروت ، سنة 1401هـ - 1981م ، (1/107) .
(9) انظر : فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ، لأبي الفضل زين الدين العراقي ، تح : محمود ربيع ، عالم الكتب ، بيروت ، ط : 2 ، سنة 1408هـ - 1988م ، ص (102) ، ومعرفة أنواع علم الحديث ، لأبي عمرو عثمان المعروف بابن الصّلاح ، تح : د. عبداللطيف الهميم ، وماهر ياسين الفحل، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط : 1 ، سنة 1423هـ - 2002م ، ص (201) ، والمعيار في الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي استشهد بها الفقهاء ، تاج الدين علي بن عبدالله الأرزديلي التبريزي ، تح : خلدون الباشا ، دار الإصلاح ، دمشق ، ط : 1 ، سنة 2006م ، (1/21) .
(10) أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب ، لابن دحية ، مصدر سابق ، ص (104) .
(11) الموقظة في علم مصطلح الحديث ، شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي ، اعتنى به : عبدالفتاح أبو غدة ، دار البشائر الإسلامية ، بيروت ، ط : 1 ، سنة 1405هـ ، ص (36) .
(12) الوضع في الحديث النبوي ، أ.د. عمر سليمان الأشقر ، دار النفائس ، الأردن ، ط : 1 ، سنة 1424هـ - 2004م ، ص (23-24) بتصرف يسير .
يتبع إن شاء الله ......
__________________
قال ابن قيًم :
لو نَفَعَ العلمُ بلا عمل لمَا ذمَّ الله سبحانه أحبارَ أهل الكتاب ، ولو نَفَعَ العملُ بلا إخلاص لمَا ذمَّ المنافقين .
|