كان إعلاناً عجيباً..
جعل الأبعدَ في الدنيا قريباً
كفكف الدَّمع الصَّبيبا
جعل الحُسْنَ مُشاعاً بين خَلْقِ الله في هذا الوجودْ
ذوَّب الفَرْق فلم يبقَ على خارطةِ الحسنِ حدودْ
كان إعلاناً عجيبا..
جعل الهدهد فينا عندليبا
جعل الشاي حليبا
حوَّل الأشياءَ حتى صارت النَّعْجةُ ذِيبا
وغدا أجهلُ خلقِ الله بالطبِّ طبيبا
وغدا الأَضْيَقُ في دائرة الكونِ رحيبا
كان إعلاناً عجيبا..
صفحة كاملةٌٌ في الصحف الكبرى..
وعَشْرٌ من صُوَرْ
صورٌ فيها وجوه للبشر
وعباراتٌ من الدَّهشةِ في ثوبِ خَبرْ
صورةٌ لامرأةٍ مُفْرِطَةِ السِّمنَةِ..
صارت مثل خوط الخيزرانْ
أَنْفُها كان كبيراً فغدا أصغرَ أنفٍ في تقاسيم الحِسانْ
ثغرها كان كثغر الناقة المشقوقِ..
تَسْتَوحش منه الشفتانْ
فغدا أصغر ثغرٍ ضاحكٍ تبصره عين الزَّمانْ
مقلتاها كانتا ضيِّقتينْ
فغدت في صورة الإعلان أحلى مقلتيْن
أذناها كانتا مائلتينْ
صارتا في لغة التجميل أحلى أذنينْ
صوتها كان كصوت الريح في الليل البَهيمْ
فغدا مثل حفيف الغصن هزَّته هُبَيْبَاتُ النسيمْ
كان إعلاناً عجيبا..
صفحة كاملة في الصحف الكبرى..
وعَشْرٌ من صُوَرْ
صورةٌ للرجل الناعم مفتول الجديلَهْ
صورة أخرى لوجه الرَّجُل الميَّادِ مسلوب الرجولَهْ
وصدى صوتٍ ينادي:
رحم الله القبيلَهْ
رحم الله انبثاقَ النور في وجه الفضيلَهْ
وكفاها الله من ليل الرذيلَهْ
كان إعلاناً عجيباً..
صورٌ توحي بأن الحرب حربٌ قاتلَه
صورٌ عَشْرٌ لتعديلِ الأنوف المائلَه
ولتسمين القدود الناحلَهْ
ولترويض الخيول الصائلَهْ
ولإرواء الخدود الذابلهْ
حدَّثتْ سلمى عن الإعلان ليلى وسُعادْ
وروى القصة سَعْدٌ لفؤادٍ وعمادْ
فتداعوا لاقتحام السوق أمثالَ الجرادْ
يتهاوون على الأصباغ في شوقٍ..
ويُحْيُونَ مراسيمَ الحصادْ
ربح التاجر أضعاف الذي كان يريدْ
فنوى أن ينشر الإعلان مرَّاتٍ ليحظى بالمزيدْ
حقَّق التاجر أرباح التجارَهْ
وأُصيبَتْ قِيَمْ الأمة فينا بالخسارَهْ
كان إعلاناً عجيبا..
حوَّل البنتَ إلى شيء جميلٍ من بعيدْ
شفتاها، خدُّها، أهدابها، شيءٌ جديدْ
صرخ ابن العمِّ: ما أجمل هذا: ما على هذا مزيدْ
يا إلهي!!
ما الذي غيَّرها حتى غدت كالورد في بُستانِ عيدْ؟!
أَوَما كان لها قِسْطٌ من الحسن ضَئيلْ؟
كيف صارت بنتُ عمِّي، هكذا تشفي العليلْ؟!
أصبحتْ في عالمَ الحُسْنِ من الوزن الثقيلْ
ما ربا في الشامِ، أو مِصْرَ، وما نَفْحُ الخزامى في رُبَى نَجْدٍ..
وما صَفْوُ مياهِ الدَّردنيلْ
كلُّها عند ابنةِ العمِّ تلاشتْ وعلى الوجه الدليلْ
أقبل الابنُ على الأُمِّ وقالْ:
اخطبي لي يا أعزَّ الناس أحلى مَنْ رأت عينايَ في ثوب الجمالْ
اخطيبها..
فلقد أخفيتِ يا أمَّاه عن ابنكِ أوصافَ الغَزَالْ
قالت الأُمُّ، وقد أدهشها هذا المقالْ:
ما الذي تعني؟ فقال الابن في شوقٍ: وِصَالْ
صاحت الأُمُّ به: تعني ابنةَ العمِّ (وِصالْ)؟!
إنَّ هذا الأمر يا ابني مُحَالْ
إنها أَبْعَدُ مَنْ أعرف عن هذا المجالْ
إنني أعرف ما خَلْف السِّتارْ
فأرِحْني أيها الغالي ودَعْ هذا المسارْ
لا تُثِرْ مِنْ حَولِنا - يا ولدي الغالي - الغُبَارْ
أقسمتْ أُمّ الفتى: أنَّ وِصالْ
غيَّرَتْ كلَّ الخِصَالْ
أصبحت أخرى وصارتْ ذاتَ أهدابٍ وخالْ
لونُ عينيها غدا بعد السوادْ
فيه للزُّرْقةِ عمقٌ وامتدادْ
عقلُها صار كعقل (السِّندريلا)..
لم تَزَلْ تلهث خَلْفَ (السِّندبادْ)
يا بُنيَّ اخطُبْ سواها من بنات الأكرمينْ
وتخيَّر ذاتَ إحسانٍ وأخلاقٍ ودينْ
دَعْكَ من بنتٍ إذا قُلْتَ: يميناً..
أغلقَتْ بابَ اليمينْ..
قال: يا أُمَّاه، لُطْفاً بابنكِ المسكون بالحبِّ الدَّفينْ
أنا يا أُمَّاه لن أرضى سواها
حسنها أيقظ في نفسي هواها
بعد شهرٍ من زواجْ
صار للدَّهشةِ والحسرةِ في القلب امتزاجْ
اقبل الابنُ على الأُمِّ وفي رجليه أثار اعوجاجْ
عَكَّرَتْ رحلتُه في عالمَ الوَهمِ المِزَاجْ
قال: يا أُمَّاه عُذراً إنَّ في قلبي انكسارْ
أنا ما جئتكِ إلا بعد أنْ مالَ عن الدَّرْبِ القطارْ
آهِ يا أُمَّاه مِنْ سوءِ المساحيق ومن جَوْر الحصارْ
آهِ مِنْ أحلاميَ العَطْشى ومِنْ جَذْوةِ نارْ
آهِ من عالمنا الساكتِ عن ظُلمِ الكِبارْ
وعن الحسرةِ تجتاح ملايينَ الصِغارْ
كان يَهذي، إنَّهُ كان شديدَ الهَذيانْ
كلَّما أخفاه في القلب من الآلامِ، بَانْ
نظرت أُمُ الفتى نَظْرةَ عطفٍ وحنانْ
يا بُنَيَّ اصبرْ..
وواجهْ لَوْثَةَ العصرِ بحزمٍ واتِّزانْ
أنتَ في عَصْر المساحيق التي تُخْفي الحقائقْ
فمساحيقُ الأباطيلِ وتزوير الوثائقْ
ومساحيقُ البيانات التي تُشعل في الكون الحرائقْ
ومساحيق القراراتِ التي تبني على الدَّرْب العوائقْ
أنتَ - يا ابني - على بوَّابةِ العَصْر الذي..
يطعن بالوهم الشقائقْ
فامتشِقْ وَعْيَكَ سيفاً لامعاً في عَقْلِ واثِقْ
كان إعلاناً عجيبا..
أيْ نَعَم كان عجيباً وغريباً
فاترك الإعلانَ يا زينَ الرِّجالْ
واعتذرْ من غَزَّةِ الأبطالِ يؤذيها جنون الاحتلالْ
وانطلِقْ بالرُّوحِ إنَّ الرُّوحَ سِرٌّ للجَمالْ
وتعلَّمْ، أَنَّما للهِ أَوصافُ الكمالْ
،،،،،،،،،،،،،،،،،،
بقلم الشاعر الدكتور عبدالرحمن العشماوي