بقلم - سامي الريامي
في عام 1997 تحديداً بدأت دول مجلس التعاون الخليجي العمل وفق تدابير «مشتركة» للحفاظ على مجتمعاتها من الأمراض المعدية القادمة مع العمال، على اعتبار أنهم قادمون من دول فقيرة تنتشر بها كثير من الأمراض المعدية، كالسل الرئوي الذي تحدثت عنه في مقال سابق..
دول الخليج منذ ذلك التاريخ وإلى يومنا هذا قرّرت اعتماد مراكز صحية رسمية في الدول المصدرة للعمالة، تقوم بفحص العمال، وإصدار شهادات صحية تفيد بخلوهم من الأمراض، وعلى ضوء هذه الشهادة يُسمح للعامل بدخول دول المجلس، ومَن لم يحصل على هذه الشهادة فلن يستطيع المشي خطوة واحدة خارج أرض المطار، مهما حصل، ومَن تثبت إصابته بأي مرض في ما بعد، بالرغم من حصوله على الشهادة الطبية، فإن الدولة تعيده إلى بلده الأم على نفقة المركز الصحي المعتمد الذي أصدر له الشهادة.
هذا هو الاتفاق، وهذا ما يحدث في جميع دول مجلس التعاون منذ ذلك العام، ما عدا دولة واحدة، لا علاقة لها بهذا كله، لا شهادة صحية، ولا خلو من الأمراض، ولا مراكز معتمدة، ولا أي من هذا «البطيخ»، كل ما في الأمر تأشيرة دخول، وتذكرة سفر، ومئات الآلاف يدخلون يومياً بكل ما فيهم من خير وشر.. أتعرفون من هي هذه الدولة؟ هي دولة الإمارات!
نعم الإمارات هي الدولة الوحيدة من دول مجلس التعاون التي لم تشترك مع بقية الدول في اعتماد مراكز صحية لفحص العمالة قبل دخولها، لا تسألوني عن السبب، فلا أعتقد أن أحداً يملك الجواب، ولكن يمكن أن تسألوا عن النتيجة، فأقول: «نتيجة ذلك ما كتبتُ عنه في المقال السابق عن العامل الذي عمل أربعة أشهر في مطعم وهو مصاب بالسل الرئوي».
نتيجة ذلك، ما نجده اليوم من ضغط شديد على الخدمات الطبية، وما نسمع عنه من أمراض يفترض أنها انقرضت من دولة في مستوى الإمارات، نتيجة ذلك خسائر بمئات الملايين، لا أحد يستطيع تحديد قيمتها الفعلية، من أجل توفير العلاج لهذا الكم الهائل من العمالة، مرض السل الرئوي وحده يحتاج الى فترة احتجاز في مستشفى، تبدأ من أسبوعين وتصل الى شهرين، مع جرعات أدوية غالية الثمن للمريض الواحد، فكيف الحال مع مريض استمر أربعة أشهر، وهو يعطس ويسعل ويبصق ناشراً المرض لأكبر عدد من «الزبائن» والمرافقين؟!
كان من الممكن تدارك ذلك بإجراء بسيط، شهادة صحية من مركز طبي معتمد، المسألة لا تحتاج الى فك طلاسم، والقضية ليست ذرة، ولا مفاعل نووي، ولا تحتاج الى اجتماعات وإجراءات وفتاوى، المسألة منطقية وتحتاج الى قرار سريع، حالنا حال بقية دول المجلس.
الغريب أننا الأكثر استقبالاً للعمالة، ونحن في المقابل الأقل في التدقيق والرقابة والاشتراطات الصحية، نحن الأكثر انفتاحاً، بل بالغنا كثيراً في الانفتاح حتى ضاقت علينا الأرض بما رحبت، فلا أقل من إيقاف دخول المرضى، فهل هذا مطلب صعب وخطير، ويهدد الاقتصاد ويضرّ بالصناعة، والحركة التنموية أيضاً؟!
* نقلاً عن صحيفة الإمارات اليوم .