ترشيد الاستهلاك والازمة العالمية المالية الإسلام صادق بالحجة والبرهان وصادق بحوادث الأيام, فليس هناك دين أثبتت تجارب الأيام صدقه, وأنه دين الحق, إلا الإسلام, وآية ذلك قوله سبحانه وتعالي( لا تجعل يدك مغلولة إلي عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا) الإسراء:29.
أي لاتمسك عن الإنفاق فتكون بخيلا منوعا, ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك, وتخرج أكثر من دخلك, فتقعد ملوما محسورا اي يلومك الناس ويذموك أو لا تجد شيئا تنفقه فتكون كالحسير, وهو الدابة التي عجزت عن السير فوقفت ضعفا وعجزا( تفسير ابن كثير). وهذه الآية الكريمة قانون من قوانين الحياة تنطبق علي الفرد كما تنطبق علي الجماعة والدول العظام.
ففي حالة عدم الإنفاق بالنسبة للدول, وتشجيع الأفراد علي البخل يهبط الطلب الاستهلاكي وبالتالي الطلب علي الاستثمار ويعم الكساد, ويصبح النشاط الاقتصادي حسيرا, كالدابة التي اجهدها الضعف والتعب, ولا تستطيع السير, ولابد من تدخل الحكومات بالإنفاق وتشجيع الأفراد علي ذلك, حتي تدور عجلة الاقتصاد.
وفي حالة الإسراف, والإنفاق أكثر من الدخل, تتراكم الديون علي الفرد والدولة, فيؤدي إلي العجز عن السداد وانهيار الاقتصاد ويصبح كالدابة الحسير لا تستطيع السير, ولابد من تدخل الحكومات بالسداد.
والأزمة المالية العالمية الحالية دليل صدق هذه الآية الكريمة ودليل إعجاز الإسلام وانه دين الحق.
فقد صار الأمريكان ولمدة سنوات طويلة ينفقون أكثر مما ينتجون واعتاد المستهلك الأمريكي تجاوز حدود قدرته المالية, بالتوسع في الاقتراض, وكذلك الحكومة الأمريكية فأصبحت الولايات المتحدة أكبر دولة مدينة في العالم.
قد انتهجت حكومة الولايات المتحدة الامريكية سياسة نقدية تساعد علي الاستهلاك وذلك بتخفيض سعر الفائدة( وصل إلي2%) ونهجت بناء علي ذلك المصارف, سياسة اقراض متساهلة للغاية, وأصبح هناك إفراط في الاقراض, وساعد علي ذلك رغبة طبقة المديرين والمسئولين في البنوك في إيجاد اوعية وأشكال متنوعة للاستثمار, لتحقيق أرباح وحوافز مرتفعة وزاد الإقراض العقاري عالي المخاطر, أكثر بكثير من طاقة المقترضين علي السداد, وأصبحت هناك شركات تعاني نسبة عالية من المديونية مقارنة برأسمالها السهمي(35:1).
والنتيجة الحتمية للإنفاق أكثر من الدخل, وسد العجز عن طريق القروض, ان جاء اليوم الذي توقف فيه المدينون عن السداد, فبدأ مقترضو الرهون العقارية ذات التصنيف الإنتماني المنخفض يتخلفون عن السداد, وثار الذعر, وانتشرت الخسائر, وتجمدت مراكز الأسواق الائتمانية العالمية, وتجمد بذلك النظام الاقتصادي العالمي, وأصبح كالدابة الحسير التي اوقفها الجهد والضعف.
ويتطلب الأمر ضخ اموال لا حدود لها في شرايين النظام الاقتصادي لكي يعاود السير مرة أخري.
ولكن هذه الأموال ليست علاجا للمشكلة, بل هي محاولة بث الروح في جسد يلفظ أنفاسه الأخيرة.
والعلاج الناجع لهذه المشكلة هو العمل بما امر الله سبحانه وتعالي, سواء علي مستوي الفرد او علي مستوي الدولة( لا تجعل يدك مغلولة إلي عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا) وصدق سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم ـ حين قال( ما عال من اقتصد) الإمام احمد.
فهذه معجزة من معجزات الإسلام والله أعلي وأعلم. |