|
.. ( يا أيها الناس ضرب مثلٌ فاستمعوا له ) ..
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله المعطي ما شاء لمن شاء ، لا مانع لعطائه ور راد لمراده وقضائه .
وبعد :
يقول الله تعالى :
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ } (1)
قال تعالى :
{ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً } (2)
وقال تعالى :
{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ } (4)
يخبر تعالى أن أصل الماء في الأرض من السماء، كما قال عزَّ وجلَّ: { وأنزلنا من السماء ماء طهوراً } فإذا أنزل الماء من السماء كَمَن في الأرض، ثم يصرفه تعالى في أجزاء الأرض كما يشاء، وينبعه عيوناً ما بين صغار وكبار، بحسب الحاجة إليها، ولهذا قال تبارك وتعالى: { فسلكه ينابيع في الأرض} ، عن ابن عباس قال: ليس في الأرض ماء إلا نزل من السماء، ولكن عروق الأرض تغيره، فذلك قوله تعالى: { فسلكه ينابيع في الأرض} فمن سره أن يعود الملح عذباً فليصعده (رواه ابن أبي حاتم، وهكذا قال الشعبي وسعيد بن جبير أن كل ماء في الأرض فأصله من السماء)، وقال سعيد بن جبير: أصله من الثلج يعني أن الثلج يتراكم على الجبال، فيسكن في قرارها، فتنبع العيون من أسافلها .
وقوله تعالى: { ثم يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه} ، أي ثم يخرج بالماء النازل من السماء، والنابع من الأرض { زرعاً مختلفاً ألوانه} أي أشكاله وطعومه، وروائحه ومنافعه، { ثم يهيج} أي بعد نضارته وشبابه يكتهل، فنراه مصفراً قد خالطه اليبس ، { ثم يجعله حطاماً} أي ثم يعود يابساً يتحطم ، { إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب} أي الذين يتذكرون بهذا، فيعتبرون إلى أن الدنيا هكذا تكون خضرة ناضرة حسناء ، ثم تعود عجوزاً شوهاء ، والشاب يعود شيخاً هرماً، كبيراً ضعيفاً، وبعد ذلك كله الموت ، فالسعيد من كان حله بعده إلى خير . (4)
الهامش :
--------
(1)سورة الحج : الآية 73 .
(2)سورة الكهف: الآية 45.
(3)سورة الزمر: الآية 21 .
(4)مختصر تفسير ابن كثير، اختصار الصابوني .
__________________
قال ابن قيًم :
لو نَفَعَ العلمُ بلا عمل لمَا ذمَّ الله سبحانه أحبارَ أهل الكتاب ، ولو نَفَعَ العملُ بلا إخلاص لمَا ذمَّ المنافقين .
|