|
الحمد لله الذي أرسل الرسل هداةً مبشّرين ومُنذرين ، والصلاةُ والسلام على خاتم النبيّين صفوةِ الصفوة وقُدوة القدوة من المرسلين الذي أبقى الله من سيرتهِ الخالدة ميداناً تربوياً حيّاً للمؤمنين ، في أجوائها يَحيَون ، ومن مَعينها يستنبطون حكمة الصبر والجهادِ في سبيل الله لأنفسهم وللإنسانية من ذلَّ في الدنيا مُهين ، ومن خِزيٍ في الآخرة مُقيم .
ومن ثَمَّ كانت سيرةُ محمد صلى الله عليه وسلم ، مطلبَ ثقافةٍ وعلمٍ ، وذُخراً تُراثياً أوَّلَ للمسلمين ، رواها لهم أصحابُ المغازي والسير ، وتَّج بها المؤرّخون أسفارَهم ، وابنُ خلدون أحدُهم .
والسيرةُ النبوية لابن خلدون هي جُملةٌ من تاريخه الشهير (( العبر وديوان المبتدأ والخبر .. ))
ولعلّها ركنُ الأركان .
إن سيرةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بقلم هذا المؤرّخ الفذَّ ، ذاتُ طابعٍ مِن الإحكام والربط والتوجيهِ نفْتقِدُه فيما كتبه قبلَه أصحابُ السير والمغازي .
وقد امتازت كتابه ابن خلدون للسيرة النبوية بسماتٍ وخصائصَ مُتفرِّدةٍ .
إذا كانت السيرةُ لابن إسحاق والتي رواها عنه ابنُ هشام هي المنهلَ الأكبرَ لمن دوّنوا سيرة محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن ابن خلدون في عِداد أولئك المؤرّخين الذين استقوا من هذه السيرةِ لا المادَّةَ وحدها ولكن الترتيب التاريخيَّ الموضوعيَّ لفصول السيرة الشريفة ، ومراحلها في تَسلسُلِ الزَّمنِ والأحداث ، وفي التمهيدِ لها بالإرهاصاتِ التاريخية القريبةِ والبعيدة أيضاً ، وهو المنهجُ الحسنُ المعُعين على اكتشاف الإسلام كيف أخرجَ شطأه ونما ، واشتدَّ وسما ، وغلبَ وقهر ، وأعطى وثَمَّر ، وصار للعالم قلباً ، وللأرض محوراً ، في مناشِئه على الطبيعة والواقع . ولكن ابن خلدون أدخل المادّة والإطارَ معاً في منسجهِ الفكريّ فخرجت سيرةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على حالٍ من التلاؤم والحبكِ بما امتاز به هذا الفكرُ من الشمول والعمق والدقة والتحليل والتعليل .
وأولى هذه الخصائص أنه أراد أن يقدِّم السيرةَ النبوية على صورةٍ كلّيَّة وشريطٍ من الترابط لا يفصمُ عًراه استطرادٌ جانبيٌّ أيّاً كان نوعُه ، وفي سبيلِ هذه الكليَّةِ ووحدتِها كان يكتفي بالإشارة أو التلخيص أحياناً لبعض الوثائقِ أو الحوادث مُجتزئاً بالمضمون عن الإفاضة في الفرعيّات والجُزئيات . وهو في ذلك لا يجورُ ولا يَبْخسُ ، ولكنه ينتقي مُتَجاوِزاً عن الفضول .
والحق أن ابن خلدون عدّ ما أورده من أخبار السيرة النبوية نصوصاً مُوثّقةً ، فأعفى نفسه من ذكر الأسانيدِ الطويلةِ التي تقطع سياقَ السَّرْد المُتّصل ، وترك للقارئ ، وهو يشير إلى مراجعه ، حرّيّةَ التويُّقِ من الروايات وأسانيدها . وبذلك ظفرة السيرةُ النبوية بصفةِ الوحدةِ الجامعةِ بما حقّق من تواصلٍ وتناسب بين حوادِثها وحَلقاتِها ، ولم تكن نقلاً مكروراً بل كانت صياغةً ابتناها الحِفْظُ الجامعُ والعلمُ الجمُّ والذكاءُ الواعي والفكرُ المُنّظَّم .
وكانت له عنايةٌ وافية بالأنسابِ والقبائل والبطون والأعلام ، وضبطِ أسمائِهم ، وتحقيقِ الأحداثِ ربطاً لها بصانعيها من الرجال ، فالتركيز والإيجاز لم يّظلما بحالٍ الأساسيّات التاريخية للسيرةِ النبوية الشريفةِ التي كتبها ابن خلدون .
والذين يقرؤون السيرة النبوية لهذا المؤرخ قد ينسابُ بهم السَّردُ العَعْذبُ والسِّياقُ المُترابِطُ المُوجَجَّهُ فيظنونَ إن هي إلا تلخيصٌ مُشذَّبٌ وكظوظٌ للسيرة النبوية المُطولة ، ولكن ما أن تتَّئِدَ بهم القراءةُ حتى تتجلّى لهم تلك الأهدافُ ذاتُ الأهميةِ والنفعِ ، ولا سيما التعليلُ الموضوعيُّ للظواهرِ والحقائقِ التاريخية .
ويوائم ابنُ خلدون في تفسير حقائق التاريخ وظواهره ما بين العلل الماديّة ، والعلل المعنوية النفسيّة والخلقيّة .
هذا التصوُّرُ الفذُّ يُهيمِنُ على كتابةِ ابن خلدون للسيرةِ الشريفة ، وهو سِمَةٌ من سِماتِ أصالتِه الفكريَّة .
بهذا المنطلق الإسلامي السديد كتب هذا العلامةُ العبقريُّ سيرةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما كتب من تاريخه فجاءت صورةً مٌتكامة مرصوصةً مُعَلَّلةً لاستراتيجية الدعوةِ الإسلاميةِ الأولى وتقدُّمها في ميادين العمل والكفاح ، صورةً للتفاعل الخلاَّقِ ما بين الإسلام ورجالات العرب ومنَ وراءهم من القبائل والشعوب ، الفئةُ المؤمنةُ بتكونيها الجديد ، المستعليةُ بالقيمِ السماويَّة العُليا ، والفئة الكافرة بهيكلها المُتآكل النَّخِر التي خندَقَتْ على نفسِها بالرجعياتِ النتراكمة ، تنهارُ تباعاً تسحَقُها عُنجهيَّةُ عَنيدةٌ أو تَفِرُّ إلى صنوف الفئِة الأولى مُستدْرِكةً ما فرطَ من إبطائِها عن إدْراك الحق .
إنّها السيرةُ النبويَّةُ التي كتبها ابنُ خلدون من مّخْزونٍ فيّاضٍ فامْتازت ، على الإيجازِ ، بالغغِنى والتَّمام ، وبتخطيطٍ مُنظَّمٍ ينمُّ عن ذهنية ذاتِ إحاطةٍ ودرايةٍ بمواقع الأحداث من التاريخ الكوني ، بما أرهصَ لها وبما صَدرَ عنها من الأثر المُستمرِّ في الوجود العربي والإنساني . وعلى احتشاد الحقائق والأفكار ، لم يُغلبْ في صياغتها على الأسلوب الجزل الرشيق القريب .
ابن خلدون حياته في سطور
- هو عبدالرحمن بن خلدون ، عربي صليبة ، أندلسي الأصل تونسي المنشأ ، من رجالات القرن الثامن الهجري ( 732 – 808 هـ ) .
- كانت تونس مسقط رأسه ومسرح شبابه الأول ومورد علومه ، نهل منها اللغة والفقه والدب وسائر العلوم .
- امتاز بالاطلاع الوسيع والحفظ الغزير وبسعة العقل ونضج الفكر والغوص في طلب الحقائق والنظرة الشمولية والاستنباط الدقيق ، وتلك تقرّد بها من بين علماء عصره ، ومقدمته المشهورة شاهد صدق .
- متفقه راسخ في الدين ، سليم القلب نقي الصدر عفّ ، عمل في القضاء .
- حياته غنية بالثقافة والتجاريب معاً ، واستفاد معارفه من الكتب والرحلة ، فما كان له من الخبرة والحكمة والعلم وليد العلم والمعاناة .
- يعد المغرب العربي والأندلسي المسرح الأكبر لنشاطه السياسي والإداري ومتفتح مواهبه وعبقريته وقد بلغ نشاطه مصر وألمّ بدمشق .
- عمل في الكتابة والقضاء لأمراء عصره في غير عاصمة من عواصم المغرب والأندلس ، وفي القاهرة استهدفه ، حسّاده المنافسون ، وأحدقت به المؤامرات فعزل مراراً وسجن سنتين وحلب أشطر الدهر حلوها ومرها ، وعرف الرجال والنفوس والطابع بثاقب نظر وصدق تجربة .
- ظفر بتقدير الكبار شاباً وكهلاً وشيخاً كبيراً ولما دخل على تيمورلنك بدمشق في وفد مصر أعجب بمنطقه وعقله وعلمه ، وطمع في الانتفاع به في دولته ولكن ابن خلدون ترفق في التخلص وعاد إلى مصر .
- كتبه كثيرة أشهرها كتابه الضخم في التاريخ ( 7 مجلدات أولها المقدمة ) .
- اعترف له بالعبقرية القدماء والمحدثون والعرب والغربيون وحظي باهتمام كبار الدارسين .
- مات " رحمه الله تعالى " فُجاءةً في مصر وله من العمر 76 سنة .
الكتاب طبع بمكتبة المعارف للنشر والتوزيع – الرياض
وهو الطبعة الأولى حيث طبع عام 1418هـ / 1998م
وهو عبارة عن جزء واحد ويحتوي على 253 صفحة
وقد قام أحمد البزرة بتصيحه وتخريج أحاديثه
وقد أشتمل الكتاب على عناوين بارزة وهي :
الأوس والخزرج
قريش : أنسابها وبطونها ورجالها قبل الإسلام
مكة بين القرشيين والمتسلطين
ظهور الإسلام
أمر النبوة والهجرة
المولد الكريم وبدء الوحي
بدء الوحي
هجرة الحبشة
إسلام عمر بن الخطاب
الأذى والاستهزاء
الإسراء
العقبة الأولى
العقبة الثانية
الهجرة
المؤاخاة
الغزوات
البعوث
إسلام عروة بن مسعود ثم وفد ثقيف وهدم اللات
الوفود
حجة الوداع
العمال على النواحي
خبر العنسي
بعث أسامة
أخبار الأسود ومسيلمة وطليحة
مرضه صلى الله عليه وسلم
وفاته صلى الله عليه وسلم
خبر السقيفة
وقد احتوى الكتاب على الفهارس وهي :
فهرس الآيات القرآنية
فهرس الأحاديث الشريفة
فهرس الأعلام
فهرس الألقاب والكنى
فهرس النساء
فهرس الأماكن
فهرس الأبيات
المصادر والمراجع
فهرس الموضوعات
الفضيل
[ تم التعديل من قبل الـفُـضـيـل بتاريخ 23-05-2001 الساعة 02:39 PM ]
|